اللحظة الاقتصادية السورية الحالية «ركود وتفاوض»

اللحظة الاقتصادية السورية الحالية «ركود وتفاوض»

تعيش البلاد لحظة ركود اقتصادي استثنائية، أسبابها لم تعد في المخاطر الأمنية والعسكرية المباشرة... بل أصبحت المخاطر ترتبط بعدم استقرار: سوق معاقبة دولياً، موارد مالية حكومية متراجعة، وسوق متمركزة بمستوى عالٍ يسود فيها تبييض الأموال والنشاط الريعي، بالإضافة إلى كونها «صفراً استهلاكياً» بقوى وموارد بشرية نازفة.

إذا ما غضضنا النّظر عن التصريحات، وراقبنا الوقائع اليومية البسيطة، فإن إيجاد فرصة عمل في السوق السورية اليوم أصبحت أصعب مما كانت عليه قبل عامين... كما أن حركة إعادة التأهيل والاستثمار الخفيفة التي انتعشت نسبياً في عامي 2017-2018، بدأت بالتراجع منذ عام تقريباً. وارتبط هذا بوضوح مع تشديد العقوبات، وعودة سعر الصرف للارتفاع التدريجي، وارتفاع المستوى العام للأسعار.
إن النشاط الاستثماري بأسوأ مراحله، وحتى عمليات الرّيع العقاري وتبييض الأموال تبدو في ركود.
منذ عام 2017 استقرت السوق نسبياً، وكان الحديث عن إعادة الإعمار رائجاً محلياً وإقليمياً ودولياً، ولكن الظروف السياسية لتعقيد الأزمة السورية أرخت سدولها على هذا الملف، وتقلّص فيض المؤتمرات والدعوات والمبادرات السابق، وترافق هذا مع التصعيد الأمريكي بالعقوبات.
وخلال تلك المرحلة، بدأت تظهر شركات المستثمرين المحليين الكبار، وظهر حجم التمركز في السوق السورية، مع الواجهات الجديدة لرجال أعمال، بدأوا يشترون الأخضر واليابس: شركاء في العقارات ومالكي مؤسسات عقارية، في المصارف، منشئي مؤسسات إعلامية، معامل سيارات وحديد وغيرها مما لم يرصد بالكامل بعد. وتبيّن: أن قوى كبيرة في السوق تنتقل من مرحلة لمرحلة، وتجهّز نفسها لواقع اقتصادي جديد.
وترافقت هذه المرحلة أيضاً مع حركة نسبية في النشاط الصناعي، أيضاً تحضيراً لإعادة الإعمار... ولكن هذه الحركة الخجولة ما لبثت أن تباطأت، وكذلك تباطأت استثمارات الكبار الرّيعية مع عقوبات ترامب.
العقوبات التي تفعل فعلها منذ نهايات العام الماضي، أنهت «تصورات الانتعاش السريع»، وعادت قوى السوق الكبرى لتتحرك في مجالات محددة تتيح لها العقوبات ربحاً هاماً منها... مثل: استيراد المحروقات، واستيراد القمح والتجارة عموماً، بالإضافة إلى ما يتيحه عدم الاستقرار من نشاط مضاربي وتحديداً بالعملة. وركدت سوق العقارات التي تحتاج إلى تدفق أموال من الخارج لتتحرك، لتبقى محافظة على أسعارها ودون حركة بيع واسعة.
الحكومة تعطي إيماءات بالحركة، فمثلاً: كثر الحديث عن إطلاق أموال المصارف المتكدسة للإقراض في السوق، ولكن هذه العملية لا تستطيع الانتقال إلى التطبيق في الظرف الحالي، حيث عائد الاستثمار غير مضمون في أي مجال إلا المضاربة. وكان الفعل الحكومي الأساسي، هو: خصخصة في قطاع المحروقات وتحديداً في البنزين حتى الآن. ومن جانب آخر توجه الحكومة أنظارها نحو سوق التجارة الخارجية، التي رغم تمركزها إلّا أنها لا تزال نشاطاً موزعاً بين القوى والفعاليات الاقتصادية المختلفة... فأتى الحديث عن إعادة قطع التصدير، ومن ثم الحديث عن سحب نسب من المواد المستوردة الممولة حكومياً من التجار إلى المؤسسات الحكومية، حيث تم تداول نسبة 25% من البضائع لصالح السورية للتجارة، ومن ثم تم تخفيض النسبة إلى 15%، في إجراءات لا تزال قيد النقاش ولم تدخل حيز التطبيق بعد.
وهي إجراءات بجذرها تريد الاعتماد على حصة هؤلاء من السوق، لتمويل المال العام. وهذا إجراء طبيعي، ومطلوب، لتزويد المال العام بالموارد، ولكنه انتقائي، فهو يختار شرائح اقتصادية للتفاوض معها، ويستثني شرائح كبرى لا يمكن للحكومة أن تفرض عليها «تكاليف عقوبات»، بل العملية بالعكس، فهؤلاء الكبار يفرضون على الحكومة شروطهم ليستجروا لها المواد الأساسية من محروقات ومواد أساسية أخرى.
إن لحظات الاستعصاء هي لحظات إعادة تقاسم وتوزيع للسوق، وللموارد، وإذا ما كانت سنوات 2017-2018 قد بينت حجم حيتان المال بشكل فاقع، لم يخجلوا من إظهاره بدخول دوري مُعلن على قطاعات كبرى. فإن اللحظة الحالية، هي: محاولة للتفاوض مع قوى السوق الهامة الأخرى، ولكن الأقل وزناً... في مجالات الاستيراد والتصدير.
في هذه الأجواء يجني كبار، الكثير، ويخسر آخرون... ولكن يبقى الخاسر الأكبر الاقتصاد السوري، ومن خلفه ملايين السوريين الذي تبتليهم القلة والبطالة. وليس لهؤلاء غرف تجارة أو صناعة تستطيع الدفاع عنهم، وبالطبع ليس لهم صوتاً أو وزناً في الحكم والحكومة، ولكن واقعهم هو الذي يحدد في نهاية المطاف مسار البلاد، والسّواد الأعظم المغيّب اليوم لا يستطيع أن يبقى كذلك. ولكن دخوله على خط التأثير الاقتصادي الفعلي، لا يمكن أن يكون إلّا سياسياً، وإلّا كجزء من عملية التغيير التي يخافها الكبار لهذا السبب تحديداً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
923