من يصدّق أن ما يجري (محاسبة وضريبة على الثروة)؟

من يصدّق أن ما يجري (محاسبة وضريبة على الثروة)؟

لا يزال عدم الوضوح يلف أجواء السوق السورية، فبعد تسريب قرار المركزي لإيقاف حسابات سيريتيل، أتى تسريب حول حركة حسابات مجموعة من رجال الأعمال السوريين، إضافة طبعاً إلى (رجال البزنس) الذين جمعوهم ذاك المساء ليدفعوا لصندوق دعم الليرة، ذاك الذي لم يظهر خيره من شره، وصدقه من حقيقته حتى الآن...

يستمر سعر الدولار عند مستويات تقارب 640 ليرة في السوق، في يوم إعداد هذه المادة، مرتفعاً بعد انخفاضه إلى مستوى وصل 620 ليرة، ومنخفضاً عن مستوى وصل له فاق 660 ليرة، وكل هذا بعد اجتماع الليرة.
وكما يعلم الجميع فإن الدولار لن ينخفض في هذه الأجواء المشحونة، بالعدوان التركي، وبعدم وضوح مسار النشاط الاقتصادي وطبيعة السياسات المتخذة، وخاصة أنه قد تبين بأن صندوق دعم الليرة لم يجمع الكثير أو كما كان متوقعاً، ولم يدخل بعد للضخ في السوق، وإن دخل فإنه لن يستطيع مواجهة جملة العوامل التي تساعد على ارتفاع الدولار، ولا تساعد على ارتفاع قيمة الليرة.
الاستعراضات بالتعامل مع أصحاب الأعمال بائسة، وتحديداً إذا ما كانت تهدف للإيحاء للناس بأنَّ (ساعة حساب الفاسدين قد حانت)، وهي غالباً لا تنطلق من هذه الحسابات، فالناس وما يقولون وما يحلّ بهم آخر همّ نخب المال السورية المتنفذة... ولكن هذه الاستعراضات بائسة تحديداً من حيث إنها تعكس حجم أزمة في ظروف تراجع مصادر دخل الأثرياء، ورغبة في مزيد من مركزة الدخل. وهي بائسة أيضاً من حيث إنها سياسة تدفع أصحاب الأموال في الداخل والخارج لحساب (ألفين حساب) قبل إعادة أموالهم لداخل سورية أو تُنشّط عملها الاستثماري، عوضاً عن الألف حساب التي كانوا يحسبونها قبل في ظروف سورية شديدة البيروقراطية، النابعة من منظومة اقتصادية تعتمد شرائحها العليا على النفوذ و(السلبطة).
وإذا ما أزحنا النوايا السياسية، وتعاملنا اقتصادياً مع هذه المؤشرات، فيمكن القول إنها بمثابة ضغط لفرض ضريبة على ثروات رجال المال والأعمال السوريين. وضريبة الثروة هذه بذهابها للمال العام يفترض أن تنعكس بعكس مصالح هؤلاء حتى تكون فعلاً ضريبة قائمة على فكرة أن هذا الدخل إضافي وغير مشروع، وبطريقة العقوبات والتشديد التي تجري، والتي تؤكد وجود ثغرات قانونية يمكن الاستناد إليها.
فهل هذه الأموال تترافق مع تغير في السياسات؟! نعم، ولكن نحو الأسوأ كما يبدو حتى الآن...
الموازنة واحدة من المؤشرات الهامة على السياسات القادمة، والبيانات الأولية لها تقول إنها ستزداد بالعجز لا بزيادة الإيرادات الضريبية، وسيصل عجزها إلى 1400 مليار، وسيتقلص الإنفاق الاستثماري على الصناعة العامة كواحد من مؤشرات عدم وجود تغيير جدي في الإنفاق الاستثماري على الإنتاج الحقيقي.
ولكن البيانات تقول أيضاً إن تغييرات ستجري على الدعم، وهي قد تكون محاسبية بمعنى تحويل الرقم من دعم المحروقات إلى دعم الكهرباء، وقد تعني فعلياً رفع الدعم عن المازوت على الأقل... وهي المادة الأكثر وزناً والتي تخصص لها كتلة مدعومة، وطبعاً يختفي جزء هام منها على الطريق بين المستهلكين ومحروقات، وبين الكازيات والسيارات، لتجدها بضعف السعر في السوق حيث اختفت.
ولم يتضح بعد، ما الخيار الذي اختاره مجلس الوزراء؟ هل سيستمر (الدعم المقدم للسوريين)، أم ستزداد كتلة الأجور؟ وكلا الخيارين خيار واحد... فمئات مليارات الدعم التي يفترض أن تدعم الأسعار أو تثبتها كما يُقال، تُبقي تكاليف المعيشة 10 أضعاف الأجر الوسطي... وهي عملياً تتحول بمعظمها إلى السوق، فإذا ما أزيل هذا الدعم فإن مئات المليارات الموجهة له ستنتقل إلى الأجور، ولكن السوق التي كانت تحصل على حصة من الدعم سترفع الأسعار بحيث تستعيد ما خسرته من أرباح.
من السابق لأوانه تقييم هذين الخيارين قبل أن تصدر بيانات الموازنة التفصيلية، ولكن أصبح من الصعب منطقياً أن تتأمل خيراً من إدارة أزمة لا تعّول على تغيير أي ظرف إلا تجهيز مواقعها للحظة تدفق الأموال علّها تدير إعادة الإعمار، كما أدارت اقتصاد الأزمة...

معلومات إضافية

العدد رقم:
935