يسعى الجنوب الاميركي الى الانتقام من العولمة التي انهكت اقتصاده ببذل كل مساعيه لاجتذاب الاستثمارات الصناعية الاجنبية ولو ان ذلك يهدد بالارتداد سلبا مع الوقت على اوضاع ابنائه. ويقول مايكل كريست الخبير الاقتصادي في الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) في اتلانتا «لقد استقبلنا هنا عددا من الاستثمارات في قطاع صناعة السيارات وقطاع المواصلات عموما». والحقيقة ان الولايات الاميركية الجنوبية وفي طليعتها كارولاينا الشمالية والاباما وميسيسيبي اجتذبت خلال السنوات العشر الماضية كبرى الشركات الصناعية الاوروبية والاسيوية مثل مرسيدس ونيسان وميشلان واخيرا مجموعة اي.ايه. دي. اس-بوينغ. وما يساهم في تشجيع هذه الشركات التي تعتبر من ابرز تجليات العولمة طقس هذه الولايات وحفاوة سكانها وبيئتها الاقتصادية بصورة خاصة. ففي مقابل آلاف الوظائف التي تنشئها هذه الشركات محليا، توفر لها الولايات الجنوبية شروطا مغرية جدا للانتقال اليها. فالارض تقدم لها بشكل شبه مجاني واليد العاملة متدنية الكلفة وغير منتسبة اجمالا الى نقابات ويتم تدريبها مجانا للقيام خصيصا بالعمل المطلوب منها. ويقدر معدل الاجور بـ36190 دولارا في الاباما و31170 دولارا في ميسيسيبي بالمقارنة مع 42520 دولارا على المستوى الوطني، بحسب احصاءات جمعتها وكالة موديز للتقييم المالي. لا تنظيمات بيئية كما ان الولايات الجنوبية لا تفرض الكثير من التنظيمات البيئية وتقدم تخفيضات ضريبية للشركات بحيث يقدر مؤشر «كلفة الاعمال» بـ94,6 في الاباما و88,8 في تينيسي مقابل مئة في مجمل انحاء البلاد. واخيرا تحصل الشركات على ضمانة بان مندوبين اقوياء معظمهم من الجمهوريين سيمثلون مصالحها في واشنطن. وقال جيمس كوب استاذ التاريخ في جامعة جورجيا ان «الولايات المتحدة لطالما كانت عبر التاريخ متأخرة اقتصاديا عن باقي البلاد». سوء الحظ وتابع انه «حين بدأت الزراعة بالتراجع واستخدام الآلات بالانتشار، وجد آلاف الناس انفسهم على استعداد للقيام باي عمل لقاء اي اجر» مضيفا ان «هذا ما جذب مصانع جديدة الى هنا». وفي حقبة الخمسينات والستينات غزت الجنوب مجموعات الادوات الكهربائية والنسيج والمواد الكيميائية والورق من الشمال. وتابع المؤرخ ان «ولايات الجنوب اخذت لسوء حظها تجذب انواعا من الصناعات تبين فيما بعد انها الاكثر تأثرا بالمنافسة الاجنبية». وحين ربحت مانيلا ومكسيكو في لعبة الاغراءات الاقتصادية رزح الجنوب تحت وطأة ازمة اقتصادية خانقة مع ما يواكبها من تسريحات جماعية واغلاق مصانع ونزوح سكاني حول العديد من المدن الى مدن اشباح. غير ان تدني سعر الدولار شجع هذه الولايات على العمل مجددا على اجتذاب المجموعات الاجنبية وكانت كارولاينا الشمالية سباقة في هذا المجال اذ استقبلت شركة ميشلان، تلتها الاباما في مطلع التسعينات. لكن كوب اوضح انه بتقديم شروط تنافسية من اجل توفير وظائف فان السكان الجنوبيين «لا يجنون مكاسب اجتماعية على صعيد توطيد البرامج الاجتماعية وبناء المدارس وكل ما يمكن ان يسمح للناس بالتقدم من تلقاء انفسهم». وشاطره الرأي جيم كلينتون المدير التنفيذي في مجلس السياسات الانمائية الجنوبية (مختبر دراسات مقره في كارولاينا الشمالية) وقال «طالما اننا نعتمد هذا النهج، فاننا ننتج يدا عاملة متدنية المستوى في حين تجنى الارباح في مكان آخر». ومن المحتمل ان يكون هذا الاقبال على الجنوب من جانب الشركات عابرا وان تجد المنطقة نفسها مجددا في مأزقاقتصادي. وختم كلينتون «اذا لم نستثمر بطريقة افضل واكثر تماسكا في مجال المعرفة، فسوف نقع ضحايا» العولمة. القبس الكويتية
|