أوروبا تلتحق بأمريكا في التعاطف الأعمى معنا كمية التعاطف المغدق على إسرائيل في هذه الأيام مربك تقريباً. أمور مثل مسيرة الضيوف رفيعي المستوى الذين يتوافدون على الدولة، وكذلك الاستقبال الذي يحظى به السياسيون الإسرائيليون في الخارج ـ هي ظاهرة قد نسيت منذ زمن ولم نعد نتذكرها. من الذي لم يأت الى هنا في الآونة الاخيرة؟ مِن المستشارة الالمانية وحتى المرشح الريادي في معركة منافسة الرئاسة في الولايات المتحدة ونائب الرئيس، والامين العام للأمم المتحدة أيضا قادمون لاسرائيل. الصرعة الرائجة الان في الدبلوماسية الدولية هي زيارة دولة اسرائيل. ان لم تزرها فأنت لست مهماً. الضيوف الذين يهبطون هنا يؤخذون طبعاً الى مؤسسة يدٌ واسم لإحياء ذكرى ضحايا النازية والى حائط المبكي والان ايضا الى سديروت ـ الموقع الوطني الجديد الذي يحج له الوافدون. بعضهم يذهب في زيارة عاجلة الى رام الله لرفع العتب اما غزة فلا يزورها احدٌ وكلهم تقريبا يجمعون على اطلاق عبارات التعاطف مع اسرائيل. لا تصدر عنهم كلمة انتقاد واحدة للاعتقال او العمليات الإسرائيلية العنيفة في المناطق او الحصار والتجويع ـ باستثناء بعض الكلمات الانبطاحية حول الحاجة للحل. اسرائيل تعصر ليمونة الدعاية والاعلام من خلال زيارة سديروت حتى آخر نقطة فيها. الجمع بين المحرقة وسديروت والخوف العالمي من الاسلام وحكم حماس في غزة يفعل فعله. منذ ايام اوسلو لم يسجل لاسرائيل مثل هذا النجاح السياسي. ان حكمنا على الأمور وفقاً لتصريحات ضيوفنا ومستضيفيهم ليست هناك دولة محبوبة مثلنا. الدولة التي تفرض حصاراً ليس له مثيل تقريباً في العالم اليوم من حيث وحشيته وقسوته التي تتبنى رسمياً سياسة الاغتيالات ـ تتعرض للعناق من قبل أسرة الشعوب، وان حكمنا وفقاً لتصريحات السياسيين الكثيرين الذين يحجون اليها كذلك. وحده وزير الخارجية الروسي اختار التذكير بالحصار على سبيل المثال. من اللطيف طبعاً امتطاء صهوة هذه الموجة، الا انها موجة سحرية وهمية وعبثية. الرأي العام في اغلبية الدول التي يحج قادتها الينا ويبدون تعاطفهم معنا، ليس شريكاً في ذلك. اسرائيل بقيت دولة غير محبوبة واحياناً حتى منبوذة وبغيضة. العالم يرى ما يحدث في غزة عبر التلفاز بينما تظهر سديروت في نظره كمنتجع بالمقارنة مع جارتها في غزة ويستنتج النتائج المطلوبة. الشعور بالعدالة الطبيعية الذي يدفع الناس للتعاطف مع كفاح الشعوب المظلومة مثل التبتيين من اجل حريتها، يفرض تعاطفاً طبيعياً مع الكفاح الفلسطيني من اجل التحرر. وحقيقة ان هذا الصراع يدور بين داوود الفلسطيني وجوليات الاسرائيلي انما يزيد ذلك حدة. باستثناء الولايات المتحدة العالم بالفعل ضدنا، باستثناء سياسييه طبعا. من المحظور علينا اذن ان نقع في الاوهام: موجة التعاطف الرسمية التي يغرقنا بها العالم ليست حقيقية. كما ان الاعتقاد بأن الصداقة العمياء غير المشروطة هي صداقة، ليس حقيقيا هو الاخر. التعاطف مع اسرائيل كمشروع عادل ـ كما يعتقد اغلبية العالم الغربي ـ لا يعني قبول كل أخطائها. الأصدقاء الحقيقيون لاسرائيل الذي يحرصون بصدق وإخلاص على مصيرها، هم فقط الذين يتجرؤون على توجيه الانتقادات الشديدة لسياستها الاحتلالية التي تشكل خطراً على مصيرهاً اكثر من اي شيء آخر، بل ويقدمون على خطوات عملية بوضع حد لهذا الاحتلال. هذه مسألة لا يدركها اغلبية السياسيين الاصدقاء المتعاطفين معنا. موقف القادة الاوروبين مثيرٌ للاستغراب بصورة استثنائية. نحن لا نتحدث عن الولايات المتحدة مع اللوبي اليهودي - المسيحي الموجود فيها، وانما هي اوروبا صاحبة الآراء والافكار والمبادئ تلك التي فقدت قدرتها على ان تكون وسيطاً نبيهاً يمارس تأثيره من اجل وضع حد للصراع الذي يشكل خطراً عليها ايضاً. نحن بحاجة لاوروبا والسلام بحاجة لها ولكن اوروبا الرسمية تشيح بوجهها وتكيف خطها بشكل اوتوماتيكي مع خط الولايات المتحدة من خلال تعاطفها الأعمى مع اسرائيل ومقاطعتها لغزة. انجيلا ميركل التي استقبلت هنا بكل الحفاوة والاحترام لم تطرح في خطابها بالكنيست اي مسألة خلافية. وهكذا تحول خطابها التاريخي الى خطاب فارغ من المضمون. مثلها تصرف زميلها في القيادة الاوروبية الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي خلال استضافته لرئيس الدولة شمعون بيرس. أعلام اسرائيل التي رفرفت في الشانزليزيه والزاوية الإسرائيلية الفاخرة في معرض الكتب في باريس لم تكن بقادرة على تغطية حقيقة ان نفوس فرنسيين كثيرين قد سئمت الاحتلال. فرارهم من ذكر الحصار المفروض على غزة وتجويع وقتل المئات من سكانها يعني ان الساسة الاوروبيين قد فشلوا في تلبية الواجب المنوط بهم سياسياً وأخلاقيا. من يعتقدون ان التدخل الدولي النزيه وحده هو القادر على إنهاء الاحتلال يصابون بخيبة الأمل واليأس. اجل اوروبا تحديداً التي تحمل مشاعر الذنب المبررة بسبب الكارثة التي لحقت باليهود، كانت ملزمة بدورها بأن تهب بمساعدة إسرائيل ولكن بطريقة اخرى. الزيارات الاستعراضية والخطابات الرنانة المتكتكة تعبر تحديداً عن الاستخفاف العميق بإسرائيل ـ وبالرأي العام في أوروبا. هذه الصداقة العمياء تتيح لإسرائيل بأن تفعل كما يحلو لها. مرت الأيام التي كان فيها دخول كل كرفان للمناطق وكل عملية اغتيال يتعرض هنا الى دراسة دقيقة خشية الانتقادات الدولية - ولم ترجع. هذا لم يعد قائماً اليوم. إسرائيل تمتلك صلاحية واعتماداً غير محدود للتصرف كما تشاء، ان تقتل وان تهدم وان تستوطن. أمريكا تنازلت منذ زمن عن مكانة الوسيط النزيه. وها هي أوروبا تسير في أعقابها. كم هو محزن ومثير للاكتئاب هذا الوضع: مع أصدقاء كهؤلاء ليست إسرائيل بحاجة للأعداء تقريباً. (جدعون ليفي - مختص في حقوق الإنسان – هآرتس – القدس العربي)
|