أحييكم جميعاً، وأعلم تماماً أنكم سمعتم الكثير من الكلمات اليوم، لذا أعدكم أنّي سأحاول أن أوجز قدر ما أستطيع.
بداية أستسمحكم عذراً إن بدا لكم أن الذاكرة كلّت والحنجرة جفّت ذلك أن آخر عهدي بالمنابر كان في خيمة للعمل الفدائي قبل عقود نُؤبن فيها شهيداً على طريق الانتصار للحق الشعبي الطويل..
سأحكي اليوم عن التاريخ الذي عشته أنا، ربما علّمني الجب عندما ربينا في غيابة الجب، واستدراكاً أقول أنا واحد من كوكبة دفعت نفس الثمن ومنهم من قضى ومنهم من ينتظر وأحدهم توفى جانبي في السرير ونحن في السجن، هؤلاء... مازالوا ينتظرون، وهذا ما فعلته بنا قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، ونحن لسنا إلا عينة، فالضرر كان علينا وعلى غيرنا..
أنا من جيلٍ كان الصغار فيه يرددون حتى لو كان الفهم ليس كاملاً لمعنى الشعارات والمقولات: استعمار.. رجعية.. صهيونية... وعندما كبرنا ونما وعينا السياسي أدركنا ماذا تعني تلك الشعارات والمفاهيم، وأدركنا أن معسكر مثلث اللعنات؛ استعمار.. رجعية.. صهيونية.. لايمكن ولا بأي وجه بالنسبة لجيلنا ولايزال أن نمد نحوه ولو خيط عنكبوت، لا نقبل التعامل معه لافي الكوابيس ولا في الأحلام، وجاء السادات وضرب ما يسمى الحاجز النفسي وجعل الخيانة وجهة نظر وهذا هو الأمر الخطير والجلل الذي دشَّنه ذاك الأفّاك، لكن المصيبة كانت عندما التقط اليعاربة أو المستعربون أو ماشئتم تسميتهم هذه الكرة وصار صوتهم يعلو ويعلو وصاروا هم يعطوننا أحكاماً، هم نفسهم من جاؤوا يترجون عبد الناصر بعد هزيمة 67 بطلب واحد بسيط ؛ أسكت عنّا صوت العرب.. ودفعوا ما دفعوا ليحققوا ذلك، وباتوا يطلقون الأحكام والتسميات على هواهم، فكانت حرب تموز في لبنان بالنسبة لهم «مغامرة»، وأفتى شيخهم أن كل من يؤيد أو يدعم أو يمول أو يدافع عن حزب الله فهو محظور دينياً، هذا الموقع الجديد الذي انتقلوا إليه وأصبحوا اليوم في موقع الصدارة.
ثانياً، وأعود للتاريخ وأذكركم ب«تكسي الشيوعية» هذا التعبير الذي عشناه كجيل وكان يستخدم للهجوم علينا نحن حزب البعث العربي الاشتراكي، بأننا نحن البعثيين تكسي للشيوعية في المنطقة، وبالتحديد الأستاذ المرحوم المناضل الزعيم الشعبي المعروف «أكرم الحوراني» الذي قال له «ريكرون» بعد أحد اللقاءات: أنتم والحزب تكسي للشيوعية..هذه التكسي مضت في اتجاهين، الاتجاه الأول كان في أنها حرّضت الشارع وعبأته وكان يومها جيل البشائر جيل الآمال الكبيرة؛ جيل سنفعل سنفعل، مع الأسف أجهضت الأحلام في جانب كبير منها.
سأعود إلى الوراء أكثر، وأدلل قليلاً على الانتماء.عندما كنت طالباً كنت رئيس اتحاد الطلاب وفي مواجهة مستمرة مع أجهزة عبد الحميد السرّاج وليس كما هي قيادات اتحادات الطلاب التي نعرفها اليوم، وكانت يومها الجمهورية العربية المتحدة وتم انتدابنا إلى يوغسلافيا، وقيل لنا في ذاك الزمان زمن الجزائرية أن مجموعة من الثوار الجزائريين في إحدى المشافي وكانت وقتها حكومة يوغسلافيا قد تكفلت بمعالجتهم، وذهبنا إلى المستشفى الذي هم فيه، ولم نكن نعرفهم أو نعرف صورهم ولكن عندما وصلنا إلى بهو المستشفى بدا لنا في أعلى أحد الأدراج مجموعة شباب سمر، أحدهم يده مقطوعة والاثنان الآخران مبتورة أرجلهما، لم يقل أحد شيئاً ولم نتبادل حتى ولو نظرة، فوراً بدأنا بالجري نحوهم وهم يحاولون النزول على الدرج على عكازاتهم، سلامنا كان بالبكاء، ربماً فخراً أو ربما تعاطفاً، وكل الذين كانوا في بهو المستشفى من أهل البلد شاركونا بالبكاء. هذا الرابط الذي كبرنا عليه وأثر في حياتنا ونضالنا أيضاً تعرض للكثير من التمزيق والأذى والزعزعة.
لن أطيل أكثر عليكم، ولكن سأنهي بحادثة أيضاً من التاريخ، والتاريخ هو الأمس وهو اليوم وهو الغد إذا أحسنا قراءته. في المدينة الشمالية في حي من أحيائها الفقيرة كانت هناك امرأتان، أم حسين وأم عثمان، سمعت أم عثمان أن حسين مصاب في المستشفى فدخلت على جارتها تواسيها وتشد من أزرها، بعد وقت قليل جاء من يخبر أم عثمان أن ابنها اعتقل، هما الاثنتان الآن في مصاب واحد. اتفقتا معاً أن تذهبا لزيارة ولديهما، وعلى الطريق كانتا تخففان عن بعضهما الحزن، ولم تتمكنا من زيارة الجريح «حسين» الذي هو من الجيش لأنه كان في العناية المشددة، وبعد انتظار لزيارة ابن أم عثمان قيل لهما ممنوع زيارة المعتقل، في طريق العودة ومع كل البؤس والحزن والهم هاتان المرأتان تنبأتا بالمستقبل: يا إم حسين بكرا بس تروح عنا هالمصيبة والله لنروح سيران بيفرح القلب، كانتا واثقتين من الغد، ونحن في الجبهة وفي كل الفعاليات واثقون أننا سنعود إلى الوطن أو أن يعود الوطن إلينا... واثقون من الغد.