_
عاقبة الغلو والمكابرة

عاقبة الغلو والمكابرة

جاءت دعوة كل من منصة موسكو والقاهرة إلى الرياض، للتباحث في تشكيل وفد واحد للمعارضة السورية، بمثابة تقدم جديد في سياق تأمين العناصر الضرورية المتبقية لإنجاز العملية السياسية، وبغض النظر عن النتائج الأولية للاجتماع، والخلاف الحاد الذي ظهر بين المنصات على مبادئ عملية تشكيل الوفد الواحد، فإن الدعوة بحد ذاتها، وتوقيتها، ورغم الإعلان المسبق والمتكرر لمنصة موسكو بأن الرياض ليست المكان الأنسب، تكشف عن أن المناخ الدولي والإقليمي الجديد، يفرض إيقاعه على المشهد السوري، وبالدرجة الأولى منه العملية السياسية.

ومن جانب آخر، ورغم أن الدعوة تشكل إقراراً من قبل منصة الرياض، بأن أكذوبة «الممثل الشرعي والوحيد» لم تعد تنطلي على أحد، وأن محاولات الإنكار والإقصاء لم تأت لها إلا بالمزيد من الحرج، وأن العنجهية المستمدة من الدعم الدولي ولى زمانها، وأن التباحث والتوافق مع المنصات الأخرى أمر لا بد منه، إلا أن القوى المتشددة في هذه المنصة، وكما تبين خلال اجتماع الرياض، ما زالت تمنّي النفس بإمكانية الالتفاف على العملية السياسية، وهو ما لن يكون، ومصير مثل هذه المحاولة لن يكون أفضل من محاولات الإنكار والإقصاء السابقة، والتي لم تأت لـ«الائتلاف» بكل هياكله إلا بالمزيد من الحرج، وذلك لسبب بسيط، وهو أن العامل الذي دفع منصة الرياض إلى الإلحاح على عقد اللقاء، أي ميزان القوى الدولي الجديد، والفاعلية الروسية؛ فيها من الزخم، ولديها من الأدوات ما يكفي لوصول الحل السياسي ومعه سورية إلى بر الأمان.

إن الإصرار على الشروط المسبقة، والتفسير الأحادي الجانب للقرار الدولي 2254، من طرف متشددي الرياض، والمحاولة الفاشلة بتحميل منصة موسكو مسؤولية عدم التوصل إلى توافق؛ لم يعد ينسجم مع المرونة الظاهرة، والتراجع الملموس، والتكيف مع التوازن الدولي الجديد، من قبل كل حلفائها، بدءاً من واشنطن، ومروراً بباريس، وأنقره، والرياض؛ وبالتالي فإن إصرار القوى المتشددة في هذه المنصة على مواقفها، عدا عن أنها مخالفة لمصالح سورية والسوريين، ومخالفة للقرارات الدولية، فهي في الوقت نفسه ستجعلها عبئاً على حلفائها الدوليين ومواقفهم الجديدة، وتضع منصة الرياض واقعياً أمام ثلاث خيارات، فإما الامتثال للإرادة الدولية، والانخراط في العملية السياسية، وتشكيل الوفد الواحد على أساس التوافق، أو إعادة هيكلة «الائتلاف» وإزاحة القوى المتشددة عن تصدر المشهد، والتحلي بالواقعية السياسية؛ أو تحمل عاقبة التعنت، والحكم على نفسها بالخروج من الحياة السياسية، التي تضيق يوماً بعد يوم بكل من تسول له نفسه الاستمرار بالعبث بمصير الشعب السوري، وتركه في مهب أزمة تكلفه كل يوم دماً ودماراً ومصيراً مجهولاً، وتلقي بظلالها حتى على أبسط متطلبات الحياة اليومية للسوريين داخل البلاد وخارجها، وتعرقل حقه المشروع في التغيير الوطني الديمقراطي الجذري والشامل، بعد أن بات استمرار هذه الأزمة خطراً على الأمن الإقليمي والدولي برمته.

آخر تعديل على السبت, 26 آب/أغسطس 2017 11:16