الشمال السوري والبلطجة الأمريكية
سعد صائب سعد صائب

الشمال السوري والبلطجة الأمريكية

لم يكد يمر شهر على إعلان ترامب الانسحاب الجزئي من سورية (6/10/2019)، ومن ثم الانسحاب الكامل بعد ذلك بأسبوع، والذي جرى تنفيذ جزء كبير منه، حتى عاد قبل أيام للقول بعدم الانسحاب من منطقة حقول النفط السوري (كي لا يستفيد منها داعش أو النظام!).

تسلسل الأحداث

في السادس من شهر تشرين الأول الماضي، وبعد ارتفاع السجال الأمريكي التركي حول «المنطقة الآمنة»، ومع ارتفاع الضغط الثلاثي لأستانا باتجاه الخروج الأمريكي من سورية، أعلن ترامب أنه سينسحب من الحدود الشمالية الشرقية لسورية بعمق يصل إلى 30 كم، فاتحاً الباب بذلك للعدوان التركي الذي بدأ بعد ذلك بثلاثة أيام في التاسع من تشرين الأول.
قبل ذلك، ويوم 16 أيلول، عقدت القمة الثلاثية لثلاثي أستانا في أنقرة، وأقرت عملياً إطلاق اللجنة الدستورية السورية، الأمر الذي تم إعلانه على لسان الأمين العام للأمم المتحدة يوم 23 تشرين الأول.
بعد أيام من انطلاق العدوان التركي، وصل مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي ومعه جيمس جيفري المبعوث الأمريكي لقوات التحالف الغربي وللانخراط في المسألة السورية، إلى أنقرة للقاء بأردوغان، يوم 17 تشرين الأول، وانتهى اللقاء إلى «اتفاق» بتجميد القتال في الشمال الشرقي 5 أيام على أن يتم خلالها انسحاب قسد من الشمال الشرقي بعمق 30 كم، وبالتوازي مع الاتفاق أعلن ترامب أنه سينسحب كلياً من سورية.
بعد ذلك بأيام قليلة، جرت قمة بوتين أردوغان في سوتشي، يوم 22 تشرين الأول، والتي انتهت إلى اتفاق من عشر نقاط، نسف عملياً الاتفاق الأمريكي التركي وحلّ محله، بحيث باتت الصورة العامة للشمال الشرقي مكّونة من العناصر التالية:
- خروج أمريكي كامل.
- بقاء تركي مؤقت ضمن حدود معينة هي التي دخلتها القوات التركية، على أن تحل هذه المسألة بالتوازي مع التقدم بالعملية السياسية ضمن قاعدة الحفاظ على وحدة سورية أرضاً وشعباً وسيادتها الإقليمية، وضمن إشارات مكثفة لضرورة الوصول إلى تفاهم بين الحكومتين السورية والتركية انطلاقاً من قواعد القانون الدولي.
- عودة الجيش السوري لشغل مساحات كبيرة كان بعيداً عنها، بما في ذلك جزء كبير من الحدود الشمالية لسورية.
- اللجنة الدستورية ستنطلق، ولن يعيق تشكيلها شيء.
مع بدء اجتماعات اللجنة الدستورية، صدر عن الجانب الأمريكي موقفان، الأول يخص حقول النفط السوري والتواجد الأمريكي فيها، واستمرار دعم قسد (التي تحول موقف بعض قياداتها بعد هذا الإعلان، من الحوار غير المشروط مع الحكومة السورية إلى حوار مشروط بشروط أقرب إلى أن تكون تعجيزية).
والموقف الثاني بخصوص إدلب، والذي أغفل كلّ اعتداءات النصرة، بما في ذلك على المدنيين، وطالب بإيقاف أي فعل عسكري من أي نوع في منطقة إدلب ومحيطها.

دلالات المواقف الأمريكية

نعتقد أنه يمكن تلخيص تحولات المواقف الأمريكية السَّريعة خلال الشهرين الماضيين بالنقاط التالية:
أولاً: من حيث المبدأ، الأمريكي مضطر للانسحاب من سورية في نهاية المطاف، ولكنه كان يحاول إحلال الفراغ والفوضى محله، بحيث يؤدي الانسحاب إلى ضرب ثلاثي أستانا بعضه ببعض وخاصة تركيا وروسيا، بحيث يمنع ذلك انطلاق أعمال اللجنة الدستورية، ويمنع من جهة أخرى أي تفاهم بين قسد والنظام السوري، لكي تبقى هاتان النقطتان عالقتين وتتمكن الولايات المتحدة من خلالهما من الحفاظ على وزن لها ضمن سورية.
ثانياً: ما جرى فعلياً هو أنّ اتفاق بوتين أردوغان يوم 22 تشرين الأول، وكذلك الدفع الروسي والإيراني باتجاه الحوار على أساس القانون الدولي بين سورية وتركيا، وعلى الأساس الوطني الداخلي بين قسد والنظام، وتحقيق بعض الإشارات الأولية الإيجابية في هذا السياق، حوّل المشهد بطريقة حادة ضد المصلحة الأمريكية؛ إذ بدت صورة المشهد كمحصلة أنّ الأمريكان خرجوا بخُفَّي حنين، وعلى أنقاض خروجهم تعمّق التفاهم الروسي التركي الإيراني، وانفتح الطريق نحو انطلاق عمل اللجنة الدستورية ونحو دفع العملية السياسية إلى الأمام بوزن أمريكي شبه صفري.
ثالثاً: ضمن هذه الإحداثيات، يحاول الأمريكي لملمة فقدان الوزن، ولذلك عاد عن مسألة الانسحاب الكامل بشكل جزئي، ليقف عند مسألة حقول النفط ضمن غايات أساسية واضحة؛ فإضافة إلى البلطجة والسرقة العلنية للثروات السورية، فإن الغايات السياسية الأكثر أهمية بالنسبة له هي: (استعادة شيء من الوزن الأمريكي ضمن الملف السوري، استخدام هذا الوزن في تعطيل وتأخير التفاهم بين القوى في الشمال الشرقي وبين الحكومة السورية، وتعطيل وتأخير تمثيل قوى الشمال الشرقي في العملية السياسية ككل، استخدام هذين الأمرين لتحقيق ضغط إضافي على اللجنة الدستورية بحيث لا تتمكن من إنجاز خطوات جدِّية وسريعة).
رابعاً: ما ينبغي الانتباه له أيضاً، أنّ الوجود العسكري الأمريكي في سورية، هو من حيث المبدأ أشبه باستطالة للوجود الأمريكي في العراق، والانسحاب من سورية، لن يقف عند حدود (تراجع الحضور الأمريكي في المنطقة)، بل ينذر بانهيار الوجود الأمريكي في المنطقة، خاصة في ظل الحركة الشعبية المتصاعدة في العراق، ولذا فإنّ العودة الجزئية للأمريكي تأتي في سياق منع انهيار الوزن ليس في سورية فحسب، بل وفي العراق أيضاً، وفي المنطقة عموماً.
خامساً: يضاف إلى ذلك كله، الأمر الذي لم يعد ممكناً إنكاره؛ وهو أنَّ التخبط الأمريكي لا يكفُّ يتسع ويتعمق، وصولاً إلى حالة يبدو معها الأمريكي في أشد حالاته التاريخية اضطراباً وتخبطاً وضعفاً، وهذه مؤشرات واضحة للمراحل الأخيرة ما قبل انهيار شامل أو جزئي، سيحدد طبيعته العمل الأمريكي خلال الأشهر القليلة المقبلة على أبواب الأزمة الاقتصادية العميقة القادمة، والتي بات إجماع الخبراء الغربيين أنفسهم هو أنها لن تكون ركوداً قصيراً ولا ركوداً طويلاً، بل ستكون كساداً عظيماً من طراز كساد 1929، والذي تكرر مرة واحدة ضمن ال150 سنة الماضية بمقابل 33 ركوداً، وفقاً للتعريفات والتقديرات الغربية نفسها.

لا رادّ لخروجهم!

رغم العودة المؤقتة والجزئية عن الانسحاب، إلّا أنّ الميل العام لا يزال ثابتاً، وهو الميل باتجاه خروج أمريكي كامل من سورية ومن المنطقة بأسرها، بالتوازي مع تقدم الحل السياسي، تقدم تنفيذ القرار 2254 كاملاً، والذي سيستعيد الشعب السوري على أساسه سيادته الكاملة على كامل أرضه، وسيتمكن من خلاله من تطبيق حقه في تقرير مصيره، ولن يرضى بحال من الأحوال ببقاء أي احتلال على الأرض السورية، وبالدرجة الأولى لن يرضى بالأمريكي، العدو التاريخي لكل شعوب المنطقة وشعوب العالم، والحليف الأكثر وقاحة للصهيوني...

معلومات إضافية

العدد رقم:
939
آخر تعديل على الإثنين, 11 تشرين2/نوفمبر 2019 15:03