المفاوضات النووية في فيينا: ضغوط اللحظات الأخيرة
مصطفى اللباد مصطفى اللباد

المفاوضات النووية في فيينا: ضغوط اللحظات الأخيرة

غداً تنتهي المهلة النهائية للتوقيع على اتفاق نووي شامل بين إيران والدول الست الكبرى في العاصمة النمساوية فيينا، ومازالت الفجوة التفاوضية التي تفصل مواقف الأطراف كبيرة نسبياً (السفير - واشنطن وطهران.. أبعاد الفجوة التفاوضية 26/6/2015). تعتقد هذه السطور بأرجحية عدم إتمام الاتفاق الشامل في الموعد المقرّر غداً، ولكنها ترجح الوصول إلى حلول وسط في الفترة المقبلة (السفير - الاتفاق النووي.. ملامح الحلول الوسط بين واشنطن وطهران 27/6/2015).

وفي هذه الفترة التفاوضية الحساسة التي يقضي فيها المفاوضون ساعات متواصلة داخل قاعة التفاوض للانتهاء من التفاصيل النهائية، تتبارى الأطراف في تشديد ضغوط اللحظات الأخيرة على بعضها البعض. وإذ أعلن مرشد الجمهورية الإيرانية السيد علي خامنئي قبل أيام خطوطه الحمراء التي تصطدم بتصورات الأطراف الغربية عموماً والأميركية خصوصاً، فقد جاء الرد الأميركي بصورتين. واحدة مباشرة على لسان وزير الخارجية جون كيري إذ يقول «سيغادر الوفد الأميركي قاعة التفاوض في حال تمسّكت إيران بخوطها الحمر»، والأخرى غير مباشرة في صورة تسريبات صحافية فحواها ضربة عسكرية محتملة لمنشأة فردو الإيرانية المحصنة داخل الجبال إذا فشلت المفاوضات.

اللوبي الإسرائيلي يضغط على أوباما
في سابقة هي الأولى من نوعها، أعلن عدد من المستشارين السابقين للرئيس الأميركي باراك أوباما عدم موافقتهم على شروط الاتفاق النهائي المطروحة، بدعوى أن الوفد الأميركي في المفاوضات قدّم «تنازلات جوهرية» لإيران. وكان «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، الذي يُعَدّ الذراع البحثي للوبي الإسرائيلي في أميركا، قد حشد ثماني عشرة شخصية أميركية متنوعة القوة والنفوذ للتوقيع على رسالة مفتوحة إلى الرئيس أوباما بغرض ثنيه عن توقيع الاتفاق النهائي بالشروط الحالية. «هذه الاتفاقية لن تمنع إيران من الحصول على قدرات نووية عسكرية»، الأمر الذي يعني أن المفاوضات وفقاً للشروط المعلومة للاتفاق ستعجز عن الوصول لأهداف أوباما في «صفقة جيدة». تضغط الرسالة باتجاه تأجيل رفع العقوبات على إيران (أحد خطوط المرشد الحمراء)، وتطالب بربطها بمدى استجابة إيران لكل شروط الاتفاق والذهاب حتى إلى تحضير عقوبات جديدة، في حال لم تلتزم إيران بتعهداتها. «الصفقة الجيدة» وفقاً للموقعين يجب أن تسمح بالتفتيش على كل منشآت إيران النووية والعسكرية (أحد خطوط المرشد الحمراء أيضاً). هدف الرسالة واضح تماماً، وهو دفع المفاوضات النووية إلى الفشل دفعاً، وذلك باستخدام أسماء لها وزنها في محافل أميركا العسكرية والسياسية والأمنية والاستخباراتية.
نشر المعهد أسماء الموقعين بالتسلسل الأبجدي على موقعه الإلكتروني، وارتأينا تقسيم الأسماء الموقعة على الرسالة وفقاً لمجموعات مهنية، حتى تتّضح أكثر خلفيات وأهمية الموقعين. يمكن تقسيم الموقعين على الرسالة المفتوحة إلى المجموعات التالية، وهي: مستشارو الأمن القومي، وخبراء تسلح، وعسكريون وأكاديميون ونواب سابقون وسفراء سابقون، ثم مجموعة الباحثين المنتمية إلى «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى». تضم مجموعة مستشاري الأمن القومي شخصيتين نافذتين هما ديفيد بترايوس، مدير وكالة المخابرات المركزية 2011-2012، والمشرف على العمليات السرية ضد إيران خلال الفترة ذاتها. وستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي في إدارة جورج بوش الابن 2005-2009، ما يمثل ثقلاً واضحاً للموقعين على الرسالة. كما تضم هذه المجموعة أيضاً كلاً من جايمس جيفري، سفير أميركا في العراق 2010-2012 ونائب مستشار الأمن القومي في إدارة بوش الابن 2007-2008 وروبرت بلاكويل، نائب مستشار الأمن لشؤون التخطيط الاستراتيجي في إدارة جورج بوش الابن 2003-2004. ويتصدّر مجموعة خبراء التسلح أولي هاينونين، نائب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية 2005-2010 وغاري سامور، منسق ضبط التسلح وأسلحة الدمار الشامل في إدارة أوباما 2009-2013، وهو في الوقت ذاته رئيس منظمة «متحدون ضد إيران نووية»، ذات النفوذ الواسع في الإعلام الأميركي. وتنتهي المجموعة مع روبرت أيشهورن، المستشار الخاص لوزير الخارجية لشؤون نزع السلاح 2009-2013، وأحد مصممي برنامج العقوبات الاقتصادية ضد إيران. تتمثل أهمية هذه المجموعة في تخصصها، الأمر الذي يضفي على الرسالة طابعاً تقنياً احترافياً، ما يخفي بعض الشيء مضمونها السياسي الفجّ. أما مجموعة العسكريين فتضمّ الجنرال جايمس كارترايت، نائب رئيس الأركان الأميركي خلال الفترة 2007-2011. وتضمّ مجموعة الأكاديميين غراهام أليسون، مدير «مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية» في جامعة هارفارد، المعروف بارتباطاته التمويلية الشرق أوسطية.
ثم تأتي مجموعة النواب السابقين والتي تضم هوارد برمان، عضو مجلس النواب الديموقراطي في الفترة من 1983-2013، وجوزيف ليبرمان، عضو مجلس الشيوخ 1989-2013. ومجموعة الديبلوماسيين السابقين وتضم باولا دوبريانسكي مسؤولة الشؤون الدولية في وزارة الخارجية 2001-2009، ونورمان أيسن، سفير أميركا في جمهورية التشيك 2011-2014. ونلاحظ هنا أن المجموعتين الأخيرتين لا تمثلان أهمية كبرى بالضرورة، وأن إدراج أسماء الأعضاء فيها جاء لإضفاء أهمية شكلية على الرسالة، إذ لا ترقى هذه الأسماء إلى أهمية المجموعات السابقة. وفي النهاية تأتي مجموعة «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» – صاحبة الليلة كما يقولون ـ وتضم:
باتريك كلاوسن مدير الأبحاث في المعهد، ومايكل أيزنستادت مدير برنامج الدراسات الأمنية والعسكرية في المعهد، وسيمون هندرسون مدير برنامج الخليج وسياسات الطاقة في المعهد، وديفيد ماكوفسكي، مستشار المبعوث الأميركي الخاص للمحادثات الفلسطينية - الإسرائيلية 2013-2014 ومدير برنامج عملية السلام في الشرق الأوسط لدى المعهد. وأيضاً دينيس روس، السكرتير الخاص للرئيس أوباما 2009-2011، والمشرف على السياسات حيال إيران في الفترة ذاتها والباحث بالمعهد، وانتهاء مع روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي للمعهد. اللافت هنا اختلاط المناصب الهامة التي تولاها الباحــثون في هذا المركز في إدارة أوباما سابقاً مع صفتهم البحثية الحالية في مركز تابع للوبي الإسرائيلي، ولكنه ليس بالأمر الجديد على أية حال.
أكبر قنبلة في العالم
بالتوازي مع ضغوط الرسالة المفتوحة، التي تهدف إلى التهويل داخلياً على إدارة أوباما باستخدام أشخاص ذوي حيثية مهنية وتخصصية حول الموضوع، فقد توجهت الضغوط الأميركية إلى إيران عبر التلويح بضربة عسكرية لمنشأة فردو النووية في حال فشلت المحادثات. كان لافتاً في هذا السياق مقالة أوردتها صحيفة «بوليتيكو» الأميركية ذات الصدقية العالية نسبياً قبل أربعة أيام. تدور المقالة حول الخطة باء التي تعدها إدارة أوباما في حال فشلت المفاوضات مع إيران. سرّبت الصحيفة معلومات عن تحرك طائرة قاذفة أميركية من طراز خاص ثمنها مليارا دولار، تستطيع حمل أكبر قنبلة نووية في العالم من طراز بي-2 زنتها ستة آلاف أوقية من المواد المتفجرة، من قاعدتها في ولاية ميسوري إلى ولاية نيو مكسيكو للقيام هناك بتجربة عملية عليها، وهو ما تمّ الأسبوع الماضي كما تقول الصحيفة. في حال أُسقطت القنبلة من على ارتفاع عشرين ألف قدم يمكنها إصابة أهداف في الصحراء واختراق الصخور والتحصينات لتصيب هدفها بطاقة تفجيرية غير مسبوقة. هذه التجربة تشير بوضوح ـ كما تقول الصحيفة ـ إلى إمكانية استهداف منشأة فردو في إيران، سواء من الرئيس أوباما أو من الرئيس الأميركي المقبل، في حال أخفقت الديبلوماسية في منع إيران من امتلاك برنامج نووي عسكري. وتعتقد الصحيفة أنه عندما يقول أوباما: «كل الخيارات على الطاولة»، فهو يعني هذه القنبلة تحديداً. وهي تحديداً ما كان وزير الخارجية الاميركي جون كيري يلمح إليه في حديثه إلى التلفزيون الإسرائيلي: «قامت الولايات المتحدة بتصميم وتحضير سلاح له القدرة على التعامل مع برنامج إيران النووي»، وفقاً للصحيفة. وعندما سأل مراسل قناة «سي إن إن» الأميركية وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر: «هل تستطيع القنبلة بي-2 أن تدمر منشأة فردو؟»، أجاب أشتون: «نعم. لقد صممت لهذا الغرض»، وفقاً للصحيفة أيضاً. أما البنتاغون فقال للصحيفة على لسان إد توماس المتحدث باســـم الجنرال مارتن ديمــبسي رئيس أركان القوات المشــتركة: «لدينا الخــيارات العسكرية في حال أخفقت الديبلوماسية». الرسالة الأميركية لإيران فجة وواضحة هنا: الديبلوماسية أفضل لكم.
الخلاصة
تتكثف الضغوط على الأطراف المفاوضة في اللحظات الأخيرة للاتفاق، وفي حين تبدو توازنات الشرق الأوسط فاقدة القدرة نسبياً على التأثير في المفاوضات النووية بين إيران والغرب، فقد انتقل الصراع على الملف النووي الإيراني عبر المحيط إلى الولايات المتحدة الأميركية ونظامها السياسي. هناك تتصارع مجموعات الضغط السياسية على توجيه المفاوضات النووية إلى النهايات التي تخدم أهداف كل منها، وهناك تتلاطم المصالح الاقتصادية الكبرى على النهايات الأفضل للمفاوضات. وفي حين يبتسم المفاوضون أمام الكاميرات في قاعة التفاوض وفقاً لأصول الصنعة والمهنة، تختزل المفاوضات في لحظاتها الأخيرة صراع إرادات من نوع فريد! لننتظر وسنرى النتائج.

 

المصدر: السفير