_
الرأسمالية تأكل نفسها

الرأسمالية تأكل نفسها

تتفاقم تناقضات الأزمة الرأسمالية في تفاعلاتها بشكلٍ متسارع، وتُلقي بآثارها أولاً في الدول الكبرى الرئيسة، حيث التمركز الأعلى، كالولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي بما فيه بريطانيا تحديداً، مُنتجة بذلك أزمات مختلفة سياسية واجتماعية.

لا تزال مسألة «بريكست» بين صدٍّ وردّ في المملكة المتحدة، إلا أنه وبعد كُل التسويف السابق في حلّ هذا الاستعصاء، يبدو بوريس جونسون عازماً على فرض حلٍّ أحادي الجانب بتنفيذه عملية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بصرف النظر عن وجود اتفاقٍ من عدمه. وقد أنتج خلاف «البريكست» هذا أزمة سياسية في الداخل البريطاني، جرت محاولات تخديرها عبر التسويف والمماطلة طيلة الفترة السابقة، لكن مع برنامج جونسون الحالي وتصريحاته، باتت تظهر هذه الأزمة وتتعمّق أكثر، خصوصاً بعد إعلانه قرار تعليق نشاط برلمان المملكة المتحدة لخمسة أسابيع، بسبب عرقلتهم مساعيه للخروج و«تقييد يديه» كما قال. أنتج هذا القرار صدىً قد يمهّد لأزمة أكثر عمقاً، حيث ظهرت انتقادات على القرار وعلى سياسة المملكة كلها بقيادة جونسون من قُضاة أسكتلندا وإيرلندا وانجلترا كُلّ على حدة، مما وضع أرضية لظهور تباينات بين أقاليم المملكة نفسها بمصالحها وأهدافها، الأمر الذي إذا ما تطور بهذا النحو، مع تصاعد الأزمة عموماً، قد يصل إلى أزمة اجتماعية تصل حدّ المطالبة بالانفصال عن المملكة نفسها بمحاولاتهم للنجاة.

بريطانيا خارجياً

أمّا على المستوى الخارجي، فلا يمكن تحديد نهج محدد للمملكة المتحدة فيه في ظل الأزمة في الداخل، حيث أصبح أيّ قرارٍ هو نتيجة جملة من التجاذبات بين التيارات البريطانية تُحددها الأوزان هناك، لكن في المقابل فإن السلوكيات الأكثر عمومية والتي تتفق عليها غالبية القوى تصنع اتجاهاً واحداً: انكفاء وتراجع. كتصريح محافظ بنك انجلترا المركزي حول التخلص من اعتماد الدولار كبديل احتياطي. الأمر الذي قد يقلّص جزئياً من مخاطر تفاعلات الأزمة الرأسمالية على لندن مستقبلاً، لكنه يضعها في تناقضٍ مباشر مع حليفتها التاريخية، الولايات المتحدة الأمريكية، خاصةً وأنّ لندن تُعدُّ من أهم وأكبر المراكز المالية عالمياً بعد نيويورك وول ستريت في أمريكا، فإذا ما تم الإقرار بهذه الخطوة والعمل فيها، وهو ما نتوقعه مستقبلاً بسير طبيعي لتطور الأحداث، ستكون ضربة موجعة لواشنطن تُشكل شرارة صراع مديد فيما بينهم... وفي ظل خروجهم من الاتحاد الأوروبي بما فيه من تناقضات وخلافات، مع تصاعد الأزمة في الداخل، تتصاعد احتمالات تفكك المملكة المتحدة، وذوبانها... حيث يمكن القول بأن المراكز الإمبريالية العالمية بهذه المرحلة الأخيرة من عمر الرأسمالية، باتت تنهش بعضها حتى الموت.

الولايات المتحدة نفسها على حافة الهاوية

بالمثل، تُعاني الولايات المتحدة الأمريكية الأمرّين، باعتبارها مركز المركز المالي عالمياً، بدولارها المتهاوي والذي كما يقال بالعاميةً «مصبّح ممسّي» حيث انفجار فقاعته قد تحدث بأيّة لحظةٍ، ومع تعاظم هذا الخطر، خصوصاً مع كل التطورات الدولية، يسعى تيار الانكفاء الأمريكي إلى الإسراع من تثبيت نفسه ومساره في الحكم، أيضاً كمحاولات للنجاة وتقليص أضرار الكارثة المُقبلة، ليقيل دونالد ترامب مؤخراً مستشاره للأمن القومي جون بولتون، والذي عُرف فيه تعارضه مع سياسة ترامب بشكل دائم وإعاقتها، بمعنى آخر، إن هذه الإقالات لبولتون ومن سبقوه هي عملياً خطوات لإبعاد وإقصاء تيار التشدد عن مواقع القرار في الإدارة الأمريكية، بشكلٍ يتمظهر شيئاً فشيئاً كديكتاورية تعكس واقع السياسة الأمريكية على حقيقتها، مما يمهّد أيضاً لتناقضات داخلية أشدّ، وتطلق العنان أكثر للأزمة الاجتماعية التي بدأت مؤشراتها منذ زمن، وتتسارع... بين احتجاجات شعبية، وحوادث قتل بالرصاص، وولايات تهدد بالانفصال، فضلاً عن مؤشرات زيادة الصراعات الوهمية ضمن التركيبة الاجتماعية الأمريكية كـ أبيض- أسود، أو شعب- شرطة والتي تعني تحديداً محاولات الإدارة الأمريكية على إعادة إحياء وتعدية الصراعات الوهمية في الداخل لتُبعد الناس عن المشاكل الأساسية والجذرية فيها.

استمرار لأزمة واحدة

حقيقة أنّ هذه هي الأزمة الرأسمالية الأخيرة بصفتها المستدامة، فإن الأزمات السياسية والاجتماعية أيضاً تحمل نفس الصفة كانعكاس لتطورها، فلا يمكن تحديد نقطة بداية ونهاية بعينها بشكل مقاطع زمنية مجتزأة عند كل تطورٍ بعينه، فإذا ما كانت أزمة 2008 هي أوّل ظهور للأزمة الاقتصادية، فإن الأزمة الاجتماعية نفسها ظهر تعبيرٌ عنها بشكل واضح أول مرة بعد ثلاث سنوات ضمن حملة «احتلوا وول ستريت» في 2011، وإذا ما جرى تقطّع بنشاط حركة الناس وتعبيرها منذ ذلك الحين، لما له علاقة بالظرف الأمريكي خصوصاً، فما هو إلا تأكيدٌ على استمرارها عند كل تفاعلٍ جديد، كما تثبت وقائع اليوم وستثبته أكثر غداً... وهذا يعني أيضاً: أن الأمر لا يتعلق بترامب وجونسون وغيرهم، فهؤلاء نفسهم مع كل التفاعلات السياسية والاجتماعية، مُحصلة ونتيجة للرأسمالية بأزمتها وحقبتها الأخيرة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
931
آخر تعديل على الإثنين, 16 أيلول/سبتمبر 2019 12:45