اليوان الإلكتروني في 2021 خطوة نحو العالمية لنقود المستقبل

اليوان الإلكتروني في 2021 خطوة نحو العالمية لنقود المستقبل

تدور في الدوائر النقدية العالمية حكايات أخرى... تبدو فيها حدّة الصراع الدولي متجلية أيضاً كما في كل ميادين الاقتصاد الدولي، ولكن مع فارق أن معادلات السباق هنا تتغير بسرعةً وتبدو أكثر حسماً، لتميل فيها الكفّة نحو آسيا. فالنظام المالي والنقدي العالمي يسير نحو العملات الإلكترونية على أساس ثورة في القواعد التكنولوجية والبنى التحتية للاتصالات، وهذه العملية تسبق فيها الصين بلا منازع، وتنتقل من التجريب المحلي لليوان الإلكتروني إلى إطار إقليمي ودولي لهذا التبادل قد يكون عنصراً هاماً في تدويل اليوان.

تعمل العديد من دول العالم على تطوير العملات الإلكترونية المركزية التي يُرمز لها CBDC. تتنوع مستويات هذا العمل من إطار البحث والتطوير وصولاً إلى الإطلاق التجريبي الذي تقوم به حتى الآن 5 دول عبر العالم: الصين، كوريا الجنوبية، تايلاند، أوكرانيا، والسويد، وفقاً لـ atlantic council بينما تشير مصادر أخرى إلى أن برنامجاً تجريبياً إضافياً يجري في سنغافورة.

في الولايات المتحدة لا يزال نقاش العملات الإلكترونية المركزية في إطار البحث، وكذلك الأمر في الاتحاد الأوروبي، حيث فرنسا هي الوحيدة التي انتقلت من مرحلة البحث إلى التطوير، ولكن الاتحاد أشار إلى أن إطلاق اليورو الإلكتروني مسألة يجب أن تنجز خلال خمس سنوات، وسط إشارات إلى عرقلة ألمانيّة، نظراً لتأثير نظام العملات الإلكترونية على دور البنوك.

بالعودة إلى الصين، فإن الإطلاق التجريبي في الصين يجري بمستويات أعلى وأشمل بالمقارنة مع البرامج التجريبية الأخرى المعلنة، حيث حجم التبادلات وعدد السكان أكبر بما لا يقاس، وقد دخل تجريب اليوان الإلكتروني حتى الآن أربع مدن كبرى، إضافة إلى بكين مؤخراً. يضاف إلى ذلك أن التجريب الصيني وصل إلى مستويات مبادلات التجزئة أي: من البنك المركزي للبنوك للتجارية وغيرها من المؤسسات المالية وصولاً إلى المستهلكين العاديين، بينما البرامج الأخرى تجري على مستوىً محدود ضمن مبادلات البنوك المركزية مع المؤسسات المالية بالدرجة الأولى. واختلاف المستويات ومستوى شموليتها يعكس مستوى تطور القاعدة التكنولوجية المتاحة للاستخدام، وسرعة الوصول إلى التطبيق الشامل، وبهذه المقاييس فإن الصين هي الأقرب دون منازع.

القاعدة التكنولوجية هي الأساس

بالمجمل، إن العملات الإلكترونية تقوم على قاعدة تكنولوجيا DLT (Distributed Ledger Technology) تكنولوجيا لا مركزية البيانات. وهي تكنولوجيا في قطاع الاتصالات والمعلومات تتيح عملياً توزيع ملكية إنتاج وحفظ البيانات والمعلومات المتداولة، وذلك على شبكة غير هرمية، تتساوى فيها نقاط الشبكة وتصبح المخدمات الأساسية أقل مركزية مع كل تطوير للتكنولوجيا. وهو عامل تشاركية وأمان أعلى للبيانات التي تتحول إلى السلعة الأعلى قيمة عالمياً، إنّه بمثابة نقلة نوعية في توزيع حواضن البيانات وتوسيع قواعد إنتاج هذه الحواضن، وما يرتبط بذلك من ارتفاع مستوى أمان حفظها وحمايتها من الاختراقات.

يضاف إلى ذلك، أن هذه التكنولوجيا المبتكرة تطبّق على بنية تحتية متمثلة بتطبيقات التكنولوجيا العالية في قطاع المعلومات والاتصالات: الكمبيوترات الفائقة التي تعالج البيانات الكبرى والتطبيقات الفيزيائية في هذا المجال المتمثلة في الكمبيوترات الكمومية، تكنولوجيا G5 الجيل الخامس، وغيرها ابتداءً من صناعات الألياف والكابلات البحرية، ومروراً بصناعات الأجهزة الإلكترونية... (يمكن مراجعة قاسيون الأعداد: 918- 919-921).

وعموماً، لم تستطع الصين أن تحقق هذه النقلة في تجارب عملتها الإلكترونية المركزية دون أن تكون القاعدة الأساسية لصناعات التكنولوجيا العالية الصينية قادرة على تخديمها بكل ما سبق. مع الإشارة طبعاً إلى وجود ثغرات حتى الآن في هذه القطاعات متمثلة بصناعة أنصاف النواقل أو الرقائق الإلكترونية chips التي لا بد من الإشارة إلى أن منتجها العالمي الأكبر والأكثر تطوراً يوجد في تايوان، وهي المنطقة الصينية خارج البر الصيني، والتي يدفع الغرب نحو تغذية حكمها الذاتي بالسلاح، وترتفع درجة التوتر هناك إلى مستويات غير مسبوقة في الأعوام الأخيرة، بما لا ينبغي فصله عن أهمية تايوان الاستثنائية (50% من الإنتاج العالمي للرقائق) في هذا القطاع الرائد الذي يمثل واحداً من أبواب الضغط الأمريكي الأساسي المتبقية على الصين.

اليوان الإلكتروني وعالمية اليوان

منذ بداية تطوير وتجريب اليوان الإلكتروني بدأ الحديث عن تهديده لدور الدولار في التداول العالمي، ولكن هذا الارتباط لم يكن واضحاً إلّا كرؤية مستقبليّة على اعتبار أن الصين تسبق في تطوير القاعدة التكنولوجية والتنظيمية (لنقود الغد) وهذه الأسبقية رافعة لليوان الإلكتروني.

ولكن، يبدو أن تسريع العملية ضروري، وتحديداً مع انفجار الأزمة في عام 2020 والوضع الهش للدولار بعد اعتماد الغرب الطريقة التقليدية في منع الإفلاس عبر ضخ تريليونات إضافية من أوراق الدولار في عام واحد.

يتضح منذ مطلع عام 2021 أن التجهيزات للتعاون الدولي في إطار العملات الإلكترونية المركزية تتوسع، وأيضاً الصين هي شريك أساسي. وفي تاريخ 23-2-2021 تمّ الإعلان عن مشروع جسر العملات الإلكترونية المركزية المتعددة: (m-CBDC) والذي شمل أربعة بنوك مركزية وسلطات نقدية آسيوية: الصين، هونغ كونغ، تايلاند، والإمارات العربية المتحدة.

هذا المشروع دخل مرحلته التجريبية الثانية، وهو يهدف إلى إيجاد منصة مشتركة قانونياً ومالياً وتكنولوجياً للتبادل والمدفوعات الدولية بين البنوك المركزية وبالعملات الإلكترونية. سيؤدي إلى تسريع العمليات وجذب بنوك مركزية أكثر، فهو يتيح علاقة مباشرة بين البنوك المركزية والمؤسسات المنضمة لتبادل النقود الإلكترونية، بما يلغي دور الوسطاء الموجودين حالياً في تبادل العملات بين الدول. وهو عملياً يضم إضافة إلى الصين أهم المراكز المالية العالمية متمثلة في هونغ كونغ، بينما يرى البعض أن كلّاً من الإمارات وتايلاند شركاء هامّون في مشروع الحزام والطريق، ومن الدول المتعاملة باليوان حالياً. إضافة إلى أن الإمارات مركز تجاري ومالي له وظيفة دولية، إذ تشير بعض التقديرات أن 60% من التجارة الصينية إلى الشرق الأوسط وأوروبا تمر عبرها، وهي تتحول وتُستخدم كمنصة للتلاقي الدولي. أما تايلاند فقد طورت عملتها الإلكترونية، وهي تعتبر من شركاء الصين الهامين في جنوب شرق آسيا.

الغرب ليس بعيداً عن كل ما يجري، فرغم ارتفاع حدّة التوتر الأمريكي الصيني، إلّا أن المؤسسات الغربية النقدية الكبرى تنخرط في هذه العمليات، فهذا الجسر مدعوم من بنك التسويات الدولية BIS وهو المؤسسة الدولية الغربية التي تعتبر بمثابة (بنك البنوك المركزية الغربية) عبر علاقته بالسلطات النقدية في هونغ كونغ. أي: إن أطرافاً في المنظومة الغربية تدعم هذا التوجه وتنخرط فيه أو لا تستطيع منعه.

إشارة أخرى سابقة في هذا السياق، هي بدء الصين لمشروع مشترك مع منظومة سويفت، الشبكة العالمية التي مركزها بروكسل، والتي تضم معظم المؤسسات المالية العالمية ويجري عبرها معظم التعاملات المالية الدولية. المشروع المسمى «البوابة المالية لخدمات المعلومات» يوحي بتنسيق تكنولوجي وقانوني ومالي أيضاً، إذ تنخرط سويفت في تنسيق التعاملات الدولية مع الصين باليوان، وبمجال العملات الإلكترونية تحديداً. المشروع الذي أُنشِئ بتاريخ 16-1-2021 ويهدف إلى إيجاد آلية تشريعية وتكنولوجية مشتركة للتعاملات الدولية بين النظام الغربي سويفت، وبين نظام المدفوعات الصيني البديل CIPS المعني بالتداول المحلي والدولي باليوان، يُضاف إلى ذلك أن مجلس الإدارة يضم أيضاً مدير معهد العملات الإلكترونية التابع لبنك الشعب الصيني.

مؤخراً، كان مدير المعهد المذكور مو شانغشن أحد المحاضرين في بنك التسويات الدولية، وقد قدّم مقترح الصين حول التنسيق وإيجاد القواعد الدولية المشتركة في مجال تطوير العملات الإلكترونية المركزية... فبنك التسويات الدولية يدير اللحاق الغربي بالسبق الصيني في هذا المجال، وسط ممانعة في أوساط النخب الغربية لهذا التوجه، مقابل وجود من يريد التسليم بالأمر الواقع وقبول المتغيرات الكبرى والانخراط فيها. أما الصين فمنفتحة على التعاون لسبب أساسي، أنها أصبحت في موقع القوّة في هذا المجال تحديداً، وهي معنية بمساعدة الغرب على القبول بالتراجع، وتمهيد الطريق له عبر التعاون والمبادرة والدبلوماسية، لأن الرفض الغربي للوقائع يترافق مع ارتفاع النزعة التدميرية العدوانية، الأمر الذي نراه واضحاً بالسلوك الأمريكي، وهو خطر على الجميع...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1013
آخر تعديل على الإثنين, 12 نيسان/أبريل 2021 13:52
No Internet Connection