الجيوب الصينية مليئة بأدوات دعم النمو
لي تشوانمين ترجمة: قاسيون لي تشوانمين ترجمة: قاسيون

الجيوب الصينية مليئة بأدوات دعم النمو

هل يمكن للاقتصاد الصيني أن يُبحر على طول عام 2022 أم أنّ مركبه سيبدأ بالغرق؟ البلد ذي ثاني أكبر اقتصاد في العالم متوضع بشكل جيّد ليستقرّ عند معدل نمو يجاوز 5% هذا العام، والبلاد على مسار لتصبح دولة ذات دخل مرتفع في فترة أقصاها نهاية 2023، هذا ما توقعه اقتصاديون بارزون، ليرسل ملاحظة متفائلة تمهيداً لبداية قوية في عام 2022، وذلك خلافاً لوجهات النظر المترددة التي تشكك في آفاق الاقتصاد الصيني.

ازدادت الشكوك في الأيام الأخيرة بعد أن أعلنت بكين عن تباطؤ في نمو الناتج المحلي بنسبة 4% في الربع الأخيرة من عام 2021، ما دفع العديد من المنظمات الدولية– بما في ذلك صندوق النقد الدولي– إلى خفض توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين لعام 2022. وأشار بعض الاقتصاديين إلى الحاجة لمزيد من الليونة في قطاعي الاستهلاك والعقارات. بينما لام بعض السياسيين الغربيين استراتيجية الصين «صفر تسامح مع كوفيد»، ملمحين إلى ضرر هائل ألحقه بالاقتصاد.
لكنّ الملاحظات التي ذكرها الاقتصاديون الصينيون البارزون، والتي جاءت بعد سلسلة من التخفيضات الرئيسية في أسعار الفائدة في الأسابيع الأخيرة بهدف دعم الاقتصاد، تقدّم أيضاً ضمانات تحتاجها الأسواق لتهدأ، وذلك عكس ما أشار إليه بنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، من ارتفاع وشيك في أسعار الفائدة، ما يؤدي إلى تحوّل شديد في السياسة النقدية العالمية.
وفقاً للمحللين، وفي تناقض صارخ مع بقيّة أنحاء العالم، ستستمر الأدوات السياسية الوفيرة في يد الصين، وتعهدها بإحلال الاستقرار، بجعلها جنّة استثمارية وقاطرة للنمو العالمي في السنوات المقبلة.
قال جاستن لين ييفو، كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، وعضو اللجنة الدائمة للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني: إنّه واثق من قدرة الاقتصاد الصيني على النمو بنحو 6% في عام 2022، وأنّ الصين ستستمر في كونها محركاً للنمو العالمي في العقود القادمة.
صرّح لين بذلك في حدث أقامته جمعية الدبلوماسية العامة الصينية يوم الخميس الماضي بعنوان «الوضع الحالي ومستقبل الاقتصاد الصيني». وقد تنبأ بأنّ عدد سكان الصين البالغ 1,4 مليار نسمة، سيعبرون عتبة التحوّل إلى بلد ذي دخل مرتفع، إمّا هذا العام أو العام التالي، ما سيضع علامة هامة على مثل هكذا إنجاز في التاريخ البشري.
قال لين: «هناك اقتصادان فقط تمكنا من الانتقال بشكل ناجح بخطوات واسعة من الدخل المنخفض إلى الدخل المرتفع منذ الحرب العالمية الثانية: جزيرة تايوان وكوريا الجنوبية. يمكن للبر الرئيسي الصيني أن يكون الثالث. يعني هذا أنّه بحلول ذلك الوقت، سيعيش حوالي 34% من سكان العالم في بلدان ذات دخل مرتفع، وهو أكثر من ضعف الرقم الحالي البالغ 16%».
في عام 2021، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 12,551 دولار، وذلك وفقاً للمكتب الوطني للإحصاء NBS، ووفقاً لتعريفات البنك الدولي، فهذا قريب من «بلد ذي دخل مرتفع»، ويتخطى متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي العالمي البالغ 12,100 دولار.
قال ليو شيجين، نائب مدير لجنة الشؤون الاقتصادية في المؤتمر الاستشاري السياسي الوطني للشعب الصيني: لهذا أهمية رمزية، لأنّه بالنسبة لدولة نامية من السهل نسبياً التحول إلى بلد ذي دخل متوسط، لكنّ الانطلاق والتحول إلى بلد ذي دخل مرتفع أمر شديد الصعوبة، ومعظم الدول تقع في «مصيدة الدخل المتوسط» أثناء عملية الانتقال.
كما تنبأ ليو بأنّه من المحتمل بشكل كبير أن تحقق الصين معدل نمو يفوق 5% هذا العام، وأن يبدأ التوسع منذ النصف الثاني من العام. تعلن الصين عادة عن هدفها للناتج المحلي الإجمالي السنوي خلال الجلستين اللتين تعقدان في آذار: اللقاءان التشريعيان السنويان الأكبر.

توقعات بالغرق

جاءت توقعات الاقتصاديين الصينيين البارزين بعد تنبؤات أعلنتها عدد من المنظمات الدولية والبنوك الاستثمارية عن غرق الناتج المحلي الإجمالي الصيني.
أعلن صندوق النقد الدولي الأربعاء الماضي عن انخفاض توقعاته للصين لعام 2022 بنسبة 0,8% لتصل إلى 4,8%، وذلك بعد نمو ممتاز بنسبة 8,1% في 2021، وهو التوسّع الأسرع منذ عقد. في 11 كانون الثاني، أعلن البنك الدولي بدوره عن تقديرات لنمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة 5,1% في 2022، وذلك بعد أن كان 5,4% في عام 2021.
أشار بيان صندوق النقد الدولي إلى مخاطر انتشار متحوّر أوميكرون. كما أشارت المنظمات الدولية، ومعها الإعلام الغربي، إلى سلسلة من العوامل الهبوطية للاقتصاد الصيني، بما في ذلك الإجهاد المالي بسبب أزمة مطوري العقارات، وتدني معدلات الاستهلاك الشخصي، والاضطرابات الناجمة عن الوباء والمتعلقة بسياسة عدم التسامح المطلق مع فيروس كورونا في الصين.
علّق الاقتصاديون الصينيون: بعض المخاوف التي أُعلن عنها مبررة، لكنّها تفشل في عكس الصورة الكاملة لإمكانات النمو الهيكلي للصين، واستعداد الحكومة الصينية لتحفيز الاقتصاد. قال ليو: «الجميع قلق بشأن العقارات، الأمر الذي كان له تأثير على النمو الاقتصادي للصين في النصف الثاني من 2021. لكن الاستثمار العقاري قد بلغ ذروته وهذا وضع اعتيادي. لهذا فإحدى أولويات العمل الحكومي في النصف الأول من عام 2022 هي تحقيق الاستقرار في الاستثمار في البنية التحتية».
كما انتقد ليو لوم سياسة صفر إصابة كوفيد: «يتم اتخاذ السياسات الصينية وفقاً للواقع الفعلي في البلاد. إنّها السياسات الأكثر فاعلية من حيث التكلفة، الأمر الذي يثبته النمو بنسبة 8,1% العام الماضي. لو تخلت الصين عن هذه السياسة لتخطى عدد المصابين في الصين القدرات الصينية على استيعاب المرضى».
لدى الصين أعلى مدخرات في العالم، ومعدل عجز حكومي هو الأدنى كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. لديها الموارد الكافية للاستثمار، وستكون قادرة على الحفاظ على نمو استثماري مرتفع بسبب الإنفاق الحكومي.
كما بدأت الصين بالفعل إجراءات التسهيل النقدي والمالي. حيث تعهد رئيس مجلس الدولة الصيني لي كيكيانغ بتوسيع نطاق تعديل السياسات الكليّة العابرة للدورات المالية، وتعزيز التنسيق لاتخاذ تدابير فعالة لمواجهة أيّة صعوبات بهدف تحقيق الاستقرار في توقعات الأسواق.
جاء ذلك بعد تخفيض البنك المركزي الصيني معدلات الإقراض العقاري القياسية بمقدار 10 نقاط للمرة الأولى منذ قرابة العامين. حيث تعهد البنك بهذه الخطوة النادرة أن «يستخدم صندوق أدوات السياسة النقدية على نطاق واسع للحفاظ على استقرار الائتمان الكلي».
الصين واحدة من الاقتصادات القليلة في العالم التي لا تخشى معدلات التضخم المرتفعة، حيث تملك مجالاً كبيراً للمناورة لدعم اقتصادها. كما يمكننا أن نتوقع سياسات أكثر لدعم النمو، ولدعم معدلات تبادل اليوان.
يعاني العالم الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، من ضغوطٍ لكبح جماح التضخم أدّى لإفراغ جيوبهم من أدوات دعم النمو. فكما أعلن مجلس الاحتياطي الفدرالي، فرفع سعر الفائدة سيكون مناسباً عمّا قريب، حيث يتوقع المحللون حدوثه في آذار القادم.
لا تعاني الصين مثل الغرب، والسبب يعود إلى أنّ جيوب الصين مليئة بأدوات دعم النمو وتخفيف الآثار السلبية التي بدأت للتو باستخدامها.

بتصرّف عن:
China to become high-income country no later than the end of 2023

معلومات إضافية

العدد رقم:
1055
آخر تعديل على الإثنين, 31 كانون2/يناير 2022 21:43