لم تكن المأساة الطويلة التي عاشها الشعب السوري ولا يزال، نتاجاً حصرياً لسنوات الحرب الطاحنة فحسب، وإنما تتويج تراكمي لعقود طويلة من الإفقار الممنهج والتهميش الاقتصادي. حيث لم يصل المواطن السوري - الذي لا يزال يرزح اليوم تحت خط الفقر، مجرداً من أبسط مقومات الحياة الكريمة - إلى هذا المنحدر السحيق بفعل نقص في الموارد، بل بفعل سياسات اقتصادية حفرت عميقاً في بنية المجتمع ودمرته، وسلبت المنتجين السوريين الحقيقيين ثمرة تعبهم لمصلحة قلة طبقية احتكرت الثروة ونهبتها. وفي خضم هذا الواقع الاقتصادي الأسود، حيث لا يزال يدفع الفقراء وحدهم فاتورة استمرار السياسات الاقتصادية الموروثة من مرحلة الأسدين، تتصاعد الحاجة الماسة إلى قراءة نقدية لهذه السياسات تنحاز بوضوح إلى مصلحة الشعب المنهك. ولا سيما أن تفكيك الجذور الاقتصادية للخراب السوري يتطلب اليوم وضوحاً ومباشرة استثنائيين في مواجهة السرديات الزائفة التي يجري العمل على زراعتها بعناية في العقل الجمعي، والتي تهدف في جوهرها إلى تجهيل الضحية بطبيعة الجلاد، ودفع الفقراء للبحث عن خلاصهم في المستنقع ذاته الذي أغرقهم، وذلك عبر تزييف وعيهم وإبعادهم عن فهم آليات الاستغلال الحقيقية التي طحنتهم لعقود.
من بين أشد الادعاءات زيفاً وخطورة، والتي جرى ضخها في الوعي السوري على مدى عقود، هي تلك الكذبة الكبرى التي تدعي أن الاقتصاد السوري في مرحلة الأسدين الأب والابن كان يمثل «اقتصاداً اشتراكياً». ورغم أن العديد من الاقتصاديين السوريين وغير السوريين قاموا بدحض هذه الفكرة المغلوطة مرات لا تحصى، وفككوا آليات الاقتصاد السوري ليثبتوا بالبرهان والأرقام الدامغة أنه لم يمت للاشتراكية بصلة يوماً، إلا أننا لا نزال حتى هذه اللحظة نسمع مثل هذه الأكاذيب تتردد على ألسنة الكثيرين عن عمد.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال وضع هذا الإصرار على ترويج هذه الفكرة في خانة القصور المعرفي أو الجهل، بل هو كذب محض وتضليل مدروس وموجه يهدف إلى الإبقاء على التغرير بالسوريين، وخلق إيهام نفسي وفكري بأننا «جربنا الاشتراكية وشاهدنا نتائجها الكارثية، وحان الوقت لتجريب شيء آخر»، وهو ما يمهد الطريق لفرض سياسات اقتصادية أكثر وحشية وتدميراً، تسلب الفقراء ما تبقى لهم من أمل في بناء وطن تسوده العدالة.
ما هي الاشتراكية؟ ومتى يكون الاقتصاد اشتراكياً فعلياً؟
كي نتمكن من تفكيك الأسطورة، يجب أولاً العودة إلى الجذور العلمية لمفهوم الاشتراكية، بعيداً عن الشعارات الجوفاء واليافطات السياسية التي جرى تعليقها على واجهات المؤسسات الحكومية السورية إلى حد أثار الغثيان في نفوس السوريين.
وأول ما ينبغي أن يقال في هذا الصدد، أن هوية أي نظام اقتصادي لا يمكن أن تقاس بحجم التدخل الحكومي أو بملكية الدولة لبعض المصانع والمؤسسات هنا وهناك، حيث أن جوهر أي اقتصاد يكمن في الإجابة عن سؤالين أساسيين حاسمين: من يملك وسائل الإنتاج؟ وكيف توزع الثروة التي يتم إنتاجها؟
الاشتراكية، بالمعنى الفعلي، لا تعني مجرد «قطاع عام» تديره بيروقراطية حكومية، إنما هي مرحلة انتقالية تقوم على نقل ملكية وسائل الإنتاج الرئيسية (كالمصانع، والأراضي الكبرى، والموارد الطبيعية، والمؤسسات المالية) من أيدي أقلية طبقية إلى ملكية اجتماعية حقيقية، بحيث يكون المنتجون أنفسهم (العمال والفلاحين وسائر الكادحين بسواعدهم وأدمغتهم) هم سادة هذا الإنتاج والمتحكمين بمساره. وفي النظام الاشتراكي، لا يتم الإنتاج من أجل مراكمة الأرباح في جيوب قلة من المنتفعين، بل لتلبية الحاجات الأساسية للمجتمع المتصاعدة باستمرار (كالغذاء، والسكن، والصحة، والتعليم، والثقافة وغيرها).
وحتى يتحقق ذلك، يتطلب الاقتصاد الاشتراكي تخطيطاً شاملاً، يقرأ الموارد المتاحة ويوجهها بدقة متناهية لسد فجوات التنمية وللنهوض بمستوى معيشة المجتمع. حيث لا يوجد في الاشتراكية الحقيقية مكان للاستغلال بمفهومه الذي نعرفه اليوم، أي لا يسمح لفرد أو لفئة بأن تراكم ثرواتها عبر الاستحواذ على جهد الآخرين وعرقهم. والثروة التي ينتجها المجتمع تعود إليه بالكامل، إما على شكل أجور عادلة أو على شكل خدمات اجتماعية مجانية وفائقة الجودة تصبح حقاً غير قابل للمساس لكل مواطن.
الأهم من ذلك كله، هو البعد السياسي والطبقي للاشتراكية، حيث لا يمكن بناء اقتصاد اشتراكي دون أن تكون السلطة السياسية وأجهزة الدولة أدوات في يد الأغلبية الطبقية لا ضدها، تمثل مصالحها وتخضع لرقابتها الشعبية الحقيقية والصارمة.
أما عندما تمتلك الدولة المصانع مثلاً، ولكن الدولة نفسها مختطفة من قبل فئة ضيقة تستنزف موارد هذه المصانع عبر الفساد والنهب والكومسيونات والمحسوبيات، فإن هذا لا يسمى اشتراكية على الإطلاق، بل هو «رأسمالية دولة» في أبشع صورها. في رأسمالية الدولة هذه، يتحول مسؤولو القطاع العام والبيروقراطيون الكبار إلى طبقة رأسمالية مستترة، تمتص الفائض الاقتصادي تماماً كما يفعل الرأسمالي التقليدي، بل وبطرق أكثر تخلفاً ونهباً، لأنهم يغطون سرقاتهم بشعارات وطنية واجتماعية زائفة.
لهذا، فإن ما ينبغي تثبيته هو أن الاشتراكية أبعد بكثير من أن تختزل بشعار سياسي أجوف يرفعه نظام ما، أو بدعم حكومي موجه لبعض السلع، إنما هي تحول بنيوي جذري ينهي هيمنة رأس المال على الإنسان، ويجعل الإنسان وحاجاته هما المحور والغاية.
لماذا لم تمر سورية أبداً بأي مرحلة اشتراكية؟
يتطلب الإنصاف التاريخي في البداية الاعتراف بما حدث بالفعل. شهدت سورية منذ الوحدة مع مصر، ثم بصورة أشد بعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، موجة كبيرة من التأميم والإصلاح الزراعي وتوسيع التخطيط المركزي. وفي 1965، انتقلت غالبية المؤسسات الصناعية الكبيرة والمصارف وجزء واسع من التجارة الخارجية إلى سيطرة الدولة. حيث اختارت السلطات نموذجاً ذا قطاع عام واسع وتخطيط مركزي، لكنها لم تلغ النشاط الخاص على نطاق واسع، ولا سيما في الزراعة والصناعة.
وهنا يبرز السؤال: هل التأميم الواسع يكفي لكي نقول إن المجتمع السوري أصبح مالكاً لوسائل إنتاجه؟ ما حدث عملياً آنذاك في سورية هو أن الملكية الخاصة الكبرى تقلصت في قطاعات محدودة، لكن السيطرة لم تنتقل إلى العمال والمجتمع بقدر ما انتقلت إلى المسيطرين على جهاز الدولة. ولم تتطور المؤسسات النقابية والفلاحية لتشكل مراكز مستقلة على صعيد القرار الاقتصادي والقدرة على الضغط، بل اندمجت تدريجياً في البنية السياسية للدولة والحزب الحاكم. وعلى هذا النحو، لم يتحول المنتج السوري من أجير لدى رأسمالي خاص إلى شريك فعلي في ملكية المؤسسة وإدارتها.
حتى في المرحلة الأكثر توسعاً للقطاع العام، ظل جزء بالغ الأهمية من النشاط الاقتصادي خارج الملكية العامة. وتشير العديد من الدراسات إلى أن الزراعة مثلاً بقيت إلى حد بعيد خاصة، وكذلك الصناعة، وأن نحو 90% من التجارة الداخلية، ومعظم النقل البري والسياحة والبناء، وجزء معتبر من التجارة الخارجية ظلت في أيدي القطاع الخاص.
ثم جاء عام 1970 نقطة انعطاف إضافية. حيث أعاد حكم حافظ الأسد صياغة العلاقة بين القطاع العام ورأس المال الخاص. وأصبح «الانفتاح الاقتصادي» الجزئي أداة لتكوين تحالف جديد بين السلطة وشرائح من التجار ورجال الأعمال، خصوصاً في المدن الكبرى. وهنا، لم يعد الاتجاه هو إزاحة القطاع الخاص بصورة متواصلة من النشاط الاقتصادي، بل «استيعابه» وتنظيم حركته.
ومنذ السبعينيات، أخذت تتشكل صيغة حيث سيطرت الدولة على قطاعات استراتيجية وعلى جزء من الاستثمار، لكنها سمحت بالتراكم الخاص ووسعته، بينما أصبحت الصلة بأجهزة السلطة عاملاً شديد الأهمية في تحديد فرص الربح والحصول على العقود وإجازات الاستيراد والتمويل.

على هذا النحو، استطاع رأس المال الخاص أن ينمو داخل الحدود التي رسمتها السلطة. وبحلول الثمانينيات ثم التسعينيات، أصبح الاتجاه نحو القطاع الخاص أكثر وضوحاً. وقد شكل قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 خطوة نوعية في هذا المسار، إذ فتح مجالات أوسع للاستثمار السوري والأجنبي وقدم إعفاءات وتسهيلات للمستثمرين. وأصبح الاستثمار الخاص في بعض سنوات التسعينيات أكبر من الاستثمار العام، فيما توسعت الشركات الخاصة والتجارة والاستثمارات الجديدة.
أي اشتراكية تلك التي يتوسع في داخلها تراكم رأس المال الخاص بهذا الشكل، وتصدر قوانين هدفها المعلن اجتذابه، وتتشكل فيها طبقة أعمال تتشابك مصالحها مع السلطة؟
مع وصول بشار الأسد، لم يبدأ التحول المتسارع نحو السوق من الصفر، بل جرى تسريع اتجاه كان قد بدأ قبل ذلك بسنوات. وفي 2005، أعلن مؤتمر حزب البعث الانتقال رسمياً إلى ما سمي «اقتصاد السوق الاجتماعي» الذي تم تعريفه آنذاك بوصفه استخدام آليات السوق لتحقيق «الكفاءة» مع احتفاظ الدولة بدور اجتماعي، أي انتقالاً معلناً بعيداً عن النموذج التخطيطي السابق.
على هذه الأرضية، توسعت المصارف الخاصة، وأزيلت قيود استثمارية عديدة، وأعيد تنظيم قطاعات مختلفة لصالح دور أكبر للقطاع الخاص، وتراجعت منظومة الدعم والحماية الاجتماعية.
وهنا ظهر التعبير الذي استخدمه عدد من الباحثين لوصف الاقتصاد السوري في سنوات ما قبل 2011 بأنه «رأسمالية المحاسيب»، حيث حصلت شبكات من رجال الأعمال والمسؤولين وأقرباء أصحاب النفوذ على امتيازات حصرية في الاتصالات والمصارف والعقارات والاستيراد وغيرها.
وبذلك فإن وصف نصف قرن من حكم الأسدين بكلمة «اشتراكية» هو محاولة لطمس حقيقة ما جرى آنذاك. نعم، ورث حافظ الأسد قطاعاً عاماً كبيراً من مرحلة التأميم السابقة، وحافظ على أجزاء واسعة منه. ونعم، ظلت الدولة لاعباً ضخماً في الاقتصاد. لكن ضخامة الدولة لم تكن في يوم من الأيام معياراً للاشتراكية.
الأدق، من وجهة نظر تحليل علاقات الإنتاج والسلطة الاقتصادية، الحديث عن اقتصاد رأسمالي ذي دور واسع لقطاع الدولة تطور تدريجياً نحو اقتصاد رأسمالي قائم على خدمة المحسوبيات.
لماذا يكذبون؟ الخوف من الحل الفعلي وحماية المصالح العميقة
إذا كان الواقع والتاريخ والأرقام والتحليلات البنيوية كلها تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام الاقتصادي في سورية كان رأسمالياً، فلماذا يستمر هذا الإصرار العجيب على إلصاق تهمة «الاشتراكية» بمرحلة الأسدين؟ الإجابة ببساطة تكمن في صراع المصالح وصراع الأفكار، حيث يعي مروجو هذه الأكاذيب تماماً ما يفعلون.
الترويج لهذه الكذبة هو سلاح أيديولوجي موجه، تشترك في استخدامه قوى تبدو في الظاهر متناقضة، لكنها في الجوهر الطبقي والمصلحي تلتقي في نقطة واحدة: العداء المطلق لمصالح فقراء سورية وأكثريتها المنهوبة والمفقرة.
الاشتراكية الحقيقية - بما تحمله من مشروع علمي للتحرر والانعتاق - تمثل في جوهرها الحل الفعلي والعملي الوحيد لمعظم المشاكل الجذرية التي تمر بها سورية اليوم. فهي الفكرة التي تطرح إعادة توزيع الثروة، وإلغاء الاستغلال الطبقي. وبطبيعة الحال، فإن هذا الحل الجذري يضر بمصالح ما يسمى بالنخب الاقتصادية وبأمراء الحرب والكثيرين من «شغيلة» رأس المال الأجنبي الذين ينتظرون «كعكة إعادة الإعمار» لاقتسامها على حساب مصلحة السوريين.
من مصلحة هذه القوى المجتمعة أن تكذب على الشعب السوري، وأن تحرمه بوصلته، لأنها تدرك في العمق قوة الفكرة الاشتراكية وجاذبيتها الطبيعية للمفقرين والمسحوقين إذا ما قدمت لهم بصورتها العلمية القابلة للتطبيق. ولذلك، كان لزاماً عليهم تشويهها، وكي الوعي الشعبي عبر الصاق كل قذارات مرحلة الأسدين - من فساد مستشرٍ، واستبداد قمعي، وفقر، وطوابير، وانتهاك للكرامة الإنسانية - بمصطلح الاشتراكية. رسالتهم المبطنة للسوريين هي أن «الاشتراكية تعني المخابرات والفقر والتخلف، لذلك يجب أن تقبلوا طواعية برأسماليتنا المنفلتة وبالخصخصة كبديل وحيد ومنقذ».
هذا التضليل الممنهج أشبه بعملية سطو ثقافي ونفسي تترافق مع السطو المباشر على رغيف الخبز. فمن يسرق السوريين اليوم، يحرص دائماً على سرقة وعيهم لكي يمنعهم من المقاومة. لهذا، فإن تحرير العقل السوري من أسطورة «الاشتراكية المزعومة» في عهد الأسد هو شرط أساسي لبلورة مشروع إنقاذ وطني للاقتصاد السوري.
لم تفشل الاشتراكية في سورية لأنها ببساطة لم توجد يوماً، وما فشل وأوصل البلاد إلى هذا الخراب والتشظي هو الرأسمالية بعينها. وكشف هذا الزيف هو الخطوة الأولى لاستعادة قوة الفكرة التي ترعب سارقي الشعب السوري وتعيد البلاد لأصحابها الحقيقيين.
