رد اعتبار الفلسفة وسؤال التحوّل الحضاري مجدداً (3)

رد اعتبار الفلسفة وسؤال التحوّل الحضاري مجدداً (3)

في المادتين السابقتين حاولنا تتبّع التحوّلات في علاقة الذات-الموضوع انطلاقاً من التحوّلات التاريخية في توازن القوى الطبقي. التحوّلات كانت ضمن الفلسفة نفسها ومذاهبها المتصارعة، وضمن التطبيق الاجتماعي-الاقتصادي السياسي للفلسفة، أي نمط الحياة وعلاقة الفرد-الطبقة بالواقع، حيث كنا قد وصلنا إلى الانتقال من الهيمنة القهرية نحو الهيمنة عبر القبول، استناداً إلى التيار المثالي الذاتي. وفي المادة الراهنة نستكمل هذا التتبع نحو مراحل لاحقة ومعانيه السياسية والفلسفية. 

من الهيمنة القهرية نحو الهيمنة من خلال القبول

إن التوازن الطبقي التاريخي الذي تبلور في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية نقل الفلسفة من مجال ممارسة النخب الحاكمة إلى مجال ممارسة الغالبية من قوى العمل. وهذا الانتقال حصل على أساس انفتاح المجال التاريخي للذات في تحققها الروحي والحاجات النفسية، من موقع الواقع الموضوعي المتلائم مع قوانين التحول التاريخي، في تحويل الواقع والتغيير من مجتمع منقسم طبقياً إلى آخر لا طبقي، من خلال تجاوز الرأسمالية في حالتنا. ولأنّ هذا الانقسام هو قاعدة الانقسام الفلسفي بين المادية والمثالية، فإن المناورة التي قامت بها القوى المهيمنة حملت في داخلها تناقضها الخاص. فالمثالية الذاتية التي هي الأساس الفلسفي للنموذج الفرداني الليبرالي تستند إلى نكرانٍ للموضوع، ولا وجود في مذهبها إلا للذات-الفرد في العالم. هذا التناقض الداخلي تطوَّرَ في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ولاحقاً انفجرَ وما زال في مرحلة ما بعد الأزمة التي بدأت في العقدين الماضيين وتحديداً ما بعد العام 2008.

مرحلة ما بعد الحرب الباردة

التحوُّل في معادلة عمل-رأس المال، وارتفاع وزن العمل مقابل رأس المال، الذي حصل نتيجة المناورة التاريخية المتمثلة بدولة الرفاه الكينزية، هذا التحول اختلَّ بشكل واوضح في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وحصل توسع لصالح رأس المال على حساب العمل على كل المستويات في السياسة والاقتصاد والوعي، إلخ. وفلسفياً يمكن القول بأن هجوماً على «الموضوع» حصل؛ أيْ هجوماً على الشروط المادية في سيرها مع الضرورة التاريخية، ما عنى بشكل تلقائي توسعاً للمثالية الذاتية، التي تضخّمت في سياق النيوليبرالية. فالتوسع في رأس المال فرض توسعاً متناسباً للنموذج الفرداني الاستهلاكي الذي صار هو الخط المرجعي للهيمنة، من خلال القبول بكونه لا يمكن العودة عنه لصالح النموذج القهري، وذلك في مرحلة عملت فيها الرأسمالية على الظهور بمظهر المنتصر عالمياً. وهذا لم يكن تطبيقاً صافياً، فالفعل القهري حصل في العديد من المراحل والأماكن. وحتى لا نظهر اختزاليِّين، ولتوخّي الدقة، يمكن القول إنّ نموذجاً هجيناً من القهر-القبول قد جرى اعتماده، وما الحروب «المحدودة» التي قامت بها الإمبريالية منذ لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي إلا تعبير عن هذا النموذج، من يوغسلافيا إلى العراق. على كل حال، حتى في مرحلة ما قبل الحرب الباردة لم يكن نموذج الهيمنة من خلال القبول صافياً أيضاً، ولكن عنوان ممارسة الإمبريالية في فعلها القهريّ كان يحصل تحت شعار «الديمقراطية» الذي صار تكثيفاً لكل سعي الذات للتحقُّق المعنويّ، وكان النموذج الفرداني الاستهلاكي هو نموذجها المطلق. وكانت كل الحرب على الاشتراكية والاتحاد السوفياتي تحت هذا العنوان، أي في تعظيم دور الفرد في الرأسمالية الذي «يغيَّب» في الاشتراكية لصالح الجماعة كما يزعم منظرو الرأسمالية.
حسناً، ودون استطراد، إنّ التضخُّم في النموذج الفرداني الليبرالي، مع كل تبعاته في الاستهلاك والدعاية والوعي المتمثّل بنموذج «الترفيه المفرط»(السلبي) على حساب العلاقة الإبداعية (الإيجابية)، قد ضخّم من وزن الذات على حساب الموضوع وفي تناقض معه، أي للدقة، على حساب شروط التحقق المادي للذات كتحقق جماعي، فالذات جرى عزلها عن المصلحة الجماعية للنوع البشري. والتضخم المطلق للذات من موقع المثالية الذاتية كان ضرورياً لتمرير مصالح رأس المال على حساب العمل. وهذا التناقض كانت الفلسفة قد بلورته في القول بأن المذهب المثالي الذاتي يعزل الذات عن الموضوع، وعن العالم. وهذا التناقض الداخلي للمثالية الذاتية بدأ بالتطور من خلال عوارض عديدة خلال عقود ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتحديداً توسع هوامش المرض النفسي-العقلي.
هذه العوارض كانت تعبيراً عن التناقض بين حاجات تحقُّق الذات والنموذج المعتمد في شروط التحقق، ما ولَّدَ تناقضاً داخلياً في العقل الفردي للغالبية. إنّ هيمنة النموذج الفرداني المثالي على الوعي دخلَ في تناقضٍ مع عدم الرضى في إشباع حاجات التحقق الذاتي، وتحديداً السعي للسعادة وقيمة الذات في العالم، نتيجة استبعاد الموضوع من المعادلة. فالتناقض بين رأس المال-العمل صار هنا تناقضاً داخلياً. فالهجوم على الموضوع الذي فرضه توسع رأس المال تطلب هجوماً على الذات، التي هي الجانب الذاتي من الموضوع. فالذات التي ظهرت من موقع قوى العمل هي جزء من الموضوع ولكنها على عكس ذات النخب، هي في تلاؤم وتناسب مع الموضوع، أي الشروط التاريخية وقوانين التحول، على عكس الذات من موقع النخب الحاكمة التي هي في تناقض مع هذه الشروط والقوانين. هذه العوارض ظهرت في أزمة 2008 في شكلها غير الانفجاري، وتحديداً اجتياح الاكتئاب والقلق والموت الروحي من جهة، ومن جهة أخرى اللهاث الكمّي خلف الواقع للبحث عن مصادر إشباع جديدة تحت شعار «استهلاك أكثر يعني أفضل»، كتعبير عن فشل نموذج التحقق. وهذه العوارض تشكَّلَ لها اقتصادُها الخاص في العلوم والطب المهيمن وتوسُّعِ الاستهلاك «الترفيهيّ» (الذي صار متطرّفاً).

مرحلة ما بعد أزمة 2008

إنّ انفجار أزمة 2008 كان نقطة ضيق الهوامش الاقتصادية-الأمنية-الاجتماعية-السياسية لإمكانية تحقق النموذج المثالي الذاتي، فتخديم النموذج، أي الهيمنة من خلال القبول، لم تعد ممكنة، فانفجرَ التناقضُ ضمن النموذج المثالي الذاتي. وهذا الانفجار حصل من خلال عودة الموضوع الذي جرى الهجوم عليه خلال العقود السابقة، فعاد ليفرض نفسه من خلال الهزات الاقتصادية والسياسية والنفسية-الروحية والأمنية وكل أشكال الأزمات. وعودة الموضوع هي انتقام الواقع وشروطه من أجل البقاء، أي التطور والانتقال نحو نموذج عقلاني للإنسانية. هذه المرحلة شكّلت فشلاً للنموذج المثالي الذاتي ومعه لمرحلة الهيمنة من خلال القبول. وهنا دخل العقل المهيمن ومشروعه في أزمة البحث عن بديل يبقي الانقسام قائماً، فالانتقال نحو نموذج توليف ذات-موضوع يعني انتقالاً في نظام الإنتاج الاجتماعي كلّه وحلّ تناقض عمل-رأس المال الذي تعبّر عنه الفلسفة وذروة تطورها (المادية الجدلية) كتعبير مادي عن توليف هيغل المثالي الجدلي. ولهذا كان «المَخرج» الوحيد لدى القطب المهيمن هو في توجٌّهٍ نحو المثالية المتطرّفة في شكليها المادي الصّلف الذي يلغي العقل-الذات، والمثالي الصّلف الذي يلغي الواقع. وهذا ما كان يتطور وبشكل واضح في السنوات السابقة. هذا أقصى ما توفّره الترسانة الفلسفية المثالية من أجل الحفاظ على الانقسام في لحظة التقارب الشديد بين الذات والموضوع. إذا كان «الحلّ» تدميراً للموضوع والذات على حد سواء، وهو نموذج انتحاريٌّ في تحقّقه اجتماعياً-اقتصادياً خارج الفلسفة، فإنه تطبيق اللاعقلانية والعدمية التي تعبر عنها الفلسفة المثالية المتطرفة.

خلاصة سريعة

حتى لا نطيل ونفتتح مادة أخرى، يمكن القول بأن الفلسفة كحقل اختبار تاريخي مبكّر للتاريخ وعلاقاته لا تسمح بمناورات تاريخية جديدة للحفاظ على الواقع المنقسم، وأيُّ نقلة جديدة لوقف تدمير الذات والموضوع، من خلال ضرب العقل وضرب الانتظام الاجتماعي ككل، هي توليف للذات والموضوع كجوهر لأيِّ مشروع انتقال حضاري يحافظ على الحضارة من خلال تطويرها، فالتناقض القائم هو تناقضٌ داخلي وليس فقط بين قوى عالمية تتصارع «من الخارج». هذا ما يجب أن يوضع على الطاولة عالمياً اليوم من باب الفلسفة والاقتصاد السياسي، فلا انفصال بينهما في هذه اللحظة التاريخية من تقارب الجوهر والظاهر، فالتاريخ في لحظة القطع الكبرى ليعي ذاته ويقبض على تحققه يصير فلسفيّاً في لغته الصريحة.

لقراءة الجزء الأول من المقال : رد اعتبار الفلسفة وسؤال التحوّل الحضاري مجدداً (1)

لقراءة الجزء الثاني من المقال : رد اعتبار الفلسفة وسؤال التحوّل الحضاري مجدداً (2)

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1172
آخر تعديل على الإثنين, 06 أيار 2024 18:14