دروس الـ «لا انسحاب» الأمريكي

دروس الـ «لا انسحاب» الأمريكي

أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، عن موعد لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في 11 أيلول 2021، وذلك حسب زعمها لسبب رمزي يتعلق بمرور عقدين من هجمات 11 أيلول التي مهدت الطريق لسلسلة تدخلات أمريكية خارجية، بَيْدَ أن البنتاغون والبيت الأبيض لا يقولان شيئاً عن أحد الأسباب الرئيسية لمماطلة واشنطن بالانسحاب من أفغانستان منذ مقتل الموظف المتعاقد سابقاً مع وكالة المخابرات المركزية، أسامة بن لادن.

ماطلت الولايات المتحدة ومددت مهلة الانسحاب من 1 أيار الجاري، إلى 11 أيلول المقبل، ومن الواضح أن الحجة التي ساقها بعض الديمقراطيين في الولايات المتحدة بأن الانسحاب الكامل سيعرّض حقوق المرأة الأفغانية للخطر- نظراً لثقافة طالبان المتمثلة في كراهية النساء- ليس سوى زعم وذريعة لتغطية السبب الحقيقي وراء هذه المماطلة.

دور المرتزقة الخاصة؟

يبدو أن ما يخطط له فريق بايدن هو وجود عسكري أمريكي «خاص». حيث تؤكد التقارير أن أكثر من 18 ألف متعاقد مع البنتاغون ما زالوا في أفغانستان، بينما لا يتجاوز عدد القوات الرسمية 2500 جندي. وسيسحب بايدن هذه المجموعة الأصغر من الجنود، بينما سيترك وراءه القوات الخاصة الأمريكية والمرتزقة وعملاء الاستخبارات، ما يعني محاولة خصخصة الحرب وتقليصها وليس إنهائها، حيث هنالك الآن سبعة متعاقدين عسكريين خاصين في أفغانستان مقابل كل جندي أمريكي نظامي.
يسمح استخدام المتعاقدين العسكريين الخاصين للبنتاغون ووكالات الاستخبارات الأمريكية بتجنب الرقابة الجادة من جانب الكونغرس. وعادة ما يكون هؤلاء من قدامى المحاربين في القوات الخاصة، الذين يكسبون أكثر بكثير كمتعاقدين أمنيين خاصين أو مرتزقة، وأعمالهم ببساطة لا تكون خاضعة للمساءلة تقريباً. وبهذا الصدد، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلاً عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، أن واشنطن «ستعتمد على الأرجح على مزيجٍ غامض من قوات العمليات الخاصة السرية ومتعاقدي البنتاغون وعملاء الاستخبارات السرية» للقيام بعمليات داخل أفغانستان.
في موازاة ذلك، فإن الحكومة الأفغانية الحالية بقيادة أشرف غني، حالها حال حكومة حامد كرزاي، هي من صنع الولايات المتحدة، وسيبقى غني وكيلاً لواشنطن التي ستمول جيشه بحوالي 4 مليارات دولار سنوياً. لماذا؟ الجانب الذي يغفله كثيرون لدى الحديث عن الانسحاب هو تجارة المخدرات، وتحديداً الهيروين.

DynCorp: واحدة من النماذج

DynCorp هي واحدة من أكبر الشركات الأمنية الأمريكية في أفغانستان. وحتى عام 2019، حصلت الشركة على أكثر من 7 مليارات دولار من العقود الحكومية لتدريب الجيش الأفغاني، وإدارة القواعد العسكرية في أفغانستان. وكانت إحدى المهام المعلنة لها ولغيرها من أفراد المرتزقة الأمريكيين في أفغانستان «الإشراف» على تدمير حقول الخشخاش الأفغانية التي تزوِّد ما يقدر بنحو 93٪ من الهيروين العالمي. ومع ذلك، فإن الأدلة الواضحة هي أن الأفيون وتوزيعه العالمي كانا حصة رئيسية لوكالة الاستخبارات المركزية والجيش الأمريكي، الذي ضمن النقل الجوي الآمن عبر القواعد الجوية في قيرغيزستان وكذلك أفغانستان إلى أسواق الهيروين الغربية.

الإنجازات الأمريكية الفعلية في أفغانستان

عندما احتلت الولايات المتحدة أفغانستان لأول مرة، مدعية «الانتقام من دور طالبان في مساعدة أسامة بن لادن في هجمات 11 أيلول»، أدت سياسة صارمة لمكافحة الأفيون انتهجها طالبان في ذلك الحين إلى خفض المحاصيل إلى الصفر تقريباً. وبحلول تشرين الأول 2001، أي: قبل الغزو الأمريكي مباشرة، أقرت الأمم المتحدة بأن حركة طالبان خفضت إنتاج الأفيون في أفغانستان من 3300 طن في عام 2000 إلى 185 طناً في عام 2001.
ووفقاً للخبير الاقتصادي والمؤرخ الكندي ميشيل تشوسودوفسكي: «بعد غزو 2001 مباشرة، عادت أسواق الأفيون إلى الانتعاش. وارتفعت أسعار الأفيون. وبحلول أوائل عام 2002، كان السعر المحلي للأفيون في أفغانستان (بالدولار/ كيلوغرام) أعلى بعشر مرات تقريباً مما كان عليه في عام 2000». وذكرت صحيفة الجارديان أنه «في عام 2007 كان لدى أفغانستان مخدرات تنمو في الأراضي أكثر من كولومبيا وبوليفيا وبيرو مجتمعة» أي: بعد ست سنوات من الاحتلال العسكري الأمريكي فقط.
في عام 2018، قدم ألفريد ماكوي إدانة دامغة للحرب الأمريكية في أفغانستان. وتساءل: كيف يمكن للقوة العظمى الوحيدة في العالم كما تدعي أن تقاتل باستمرار لأكثر من 16 عاماً، وأن تنشر أكثر من 100,000 جندي في ذروة الصراع، وأن تضحي بحياة ما يقرب من 2300 جندي، وأن تنفق أكثر من تريليون دولار على العمليات العسكرية، وتصرف مبلغ قياسي قدره 100 مليار دولار على «بناء الدولة» والمساعدة في تمويل وتدريب جيش من 350,000 جندي فقط، وما تزال غير قادرة على تهدئة واحدة من أكثر دول العالم فقراً؟ والنتيجة الوحيدة، أن الوجود الأمريكي لم يكن يتعلق ببناء الدولة أو الديمقراطية، بل بالهيروين وبعض المنافع الإستراتيجية كإرباك مشاريع الربط الروسية الصينية، حيث ارتفع إنتاج الأفيون من حوالي 180 طناً في عام 2001 إلى أكثر من 3000 طن في السنة بعد الغزو، وإلى أكثر من 8000 طن بحلول عام 2007. وبحلول عام 2017، بلغ إنتاج الأفيون رقماً قياسياً هو 9000 طن. لهذا كله فإن الاستنتاج أنه لم تنته بعد العمليات الأمريكية في أفغانستان، أكبر منتج للأفيون في العالم، بل هو مجرد تغيير في شكل الحضور العسكري نتيجة الضرورات الأمريكية التي تضطر للتكيف مع الموازين الجديدة من خلال محاولة التسويف وإبطاء مفاعيلها قدر الإمكان.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1016