معاوية في جنيف!

معاوية في جنيف!

أول ما حضر في الذهن، وأنا أستمع إلى تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن، خلال الأسبوعين الفائتين، هو منطوق فلسفة معاوية المعروفة في التراث السلطوي العربي (بيني وبين الناس شعرة إذا شدوها أرخيتها، وإذا أرخوها شددتها).

العبارة الأكثر تداولاً على لسان بايدن، منذ ترشحه لرئاسة الولايات المتحدة، وبعد إعلان نجاحه، وحتى الآن، مروراً بمؤتمره الصحفي بعد قمة جنيف، هي عبارة «أمريكا تعود»، والتي تكثّف سعي الإدارة الأمريكية إلى استعادة موقع الولايات المتحدة كقوة دولية تستفرد بالقرار العالمي.
- أوّل ما يؤكده تكرار هذه العبارة هو: أن التراجع الأمريكي أمر واقع، وإلّا، لماذا الحديث عن العودة أصلاً؟ فمن يحاول العودة إلى مكان ما، يعني أنه لم يعد موجوداً فيه، لتكون بذلك (شدّة أذن) لمن ما زال لا يصدق حدوث هذا التراجع، ومعانيه، ودلالاته، من أشباه المثقفين.
- أخذ تكرار عبارة «أمريكا تعود» خلال هذين الأسبوعين طابعاً استعراضياً، يتشابه إلى حد كبير مع حديث حكام العالم الثالث عن الانتصارات المزعومة، أقله: أن القمة بحد ذاتها كانت بناءً على طلب من الجانب الأمريكي، بعد سنوات من بروباغندا استعلائية، ومكابرة جوفاء...
- أضف إلى ذلك، دأب الرئيس بايدن خلال هذين الأسبوعين، على التوجه إلى المؤسسة العسكرية الأمريكية، بأحاديث لافتة «أنتم العمود الفقري للدولة الأمريكية... أنتم أفضل ما في أمريكا»، بالتوازي مع حديث متكرر عن وحدة الأمريكيين... «نحن لسنا ديمقراطيين وجمهوريين، نحن أمريكيون أولاً».
- وإذا استندنا إلى قراءات علم النفس الاجتماعي، فإن تكرار سردية «عودة أمريكا» و«وحدة الأمريكيين»، بمناسبة ودون مناسبة، يجزم بأن «لاوعي» النخبة الأمريكية مسكونٌ بهاجس ثنائية (التراجع– الانقسام)؛ فكلما زاد الاستعراض ضاقت مساحة الصدق.
تمكن كاتب هذه السطور من رصد تكرار هذه العبارة سبع مرات خلال الأسبوع الفائت فقط، في أحاديث معاوية البيت الأبيض.

نحن والتراجع

التراجع الأمريكي يعني: أن كامل المشاريع والطرق والأدوات التي اتبعتها الإدارات الأمريكية المتلاحقة باتت أمام تحديات وجودية، وما يهمنا بشكل مباشر في هذا السياق كشعوب بلدان طرفية، هو موقع الشرائح المحلية التي ترتبط بحبل السرة مع النموذج الأمريكي، القديم منها والجديد، السلطوي منها والمعارض، الخادم المباشر أو المتخادم بسبب البنية والتكوين والذهنية، التي تتكثف بكل منظومة (الفساد والإفساد والإفقار والقمع) الطرفية.
أهم ما يمكن أن يقال عن مصير هذه الشريحة (حزب التبعية) أنها باتت معلقة في الفراغ، فهي وليدة تقسيم دولي للعمل آيل إلى الأفول من جهة، وهي من جهة أخرى منبوذة من شعوبها وتكشفت كل عوراتها رغم كل الستائر الوطنية والقومية والدينية والطائفية التي تتغطى بها، وباتت عاجزة عن الحفاظ على حدٍّ أدنى من التوازن الاجتماعي، لا بل باتت حوامل محلية لمشروع الشواش البناء (الفوضى الخلاقة)، وفي مسارٍ متوازٍ باتت تحت ضغط وابتزاز السند الأمريكي المضطر في صراعه الأساسي مع قوى دولية إلى استنزاف الجميع، بمن فيهم أقرب حلفائه التاريخيين الرسميين، وغير الرسميين، ومن هنا يمكن فهم توسع دائرة وطرائق ابتزاز حلفائه التاريخيين في السعودية وتركيا مثلاً، لأن (كل شيء من أجل المعركة) الرئيسية ويتطلب الأمر ضبطاً معولماً، إن خللاً عاماً يمكن لحظه في كل البنى الطرفية التابعة، مما يعني: أن أفق مرحلة تاريخية جديدة في هذه البلدان بات مفتوحاً؛ مرحلة تتحدد طبيعتها بناءً على حاجات الواقع الموضوعي لهذه البلدان: النمو، والتنمية المستقلة والديمقراطية، أي إعادة إنتاج الحياة، والدخول في التاريخ الحقيقي.
فلاشة: تكرار سردية «عودة أمريكا» و«وحدة الأمريكيين» بمناسبة ودون مناسبة يجزم بأن «لاوعي» النخبة الأمريكية مسكونٌ بهاجس ثنائية التراجع الانقسام

معلومات إضافية

العدد رقم:
1023