أسطوانات الغاز.. تضليل رسمي وغير رسمي
عمار سليم عمار سليم

أسطوانات الغاز.. تضليل رسمي وغير رسمي

بعد الارتفاعات غير المسبوقة وغير المنطقية على أسعار الغذائيات، وكافة السلع الضرورية الأخرى مؤخراً، وخاصة منذ مطلع العام وحتى تاريخه، قامت وزارة النفط منذ أيام برفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي، وسعر مادة البنزين.

وقد أعلنت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك: أن سعر الجرة المنزلية بوزن 10 كغ قد أصبح 3850 ل.س، وبغض النظر عن كل الذرائع المقدمة والمعلومة لدى الجميع، إلّا أن بعض المواطنين فوجئوا عند استلامهم للأسطوانة المخصصة بسعرها، فالمعتمدون في مختلف المحافظات يبيعونها بسعر يزيد عن سعرها الرسمي المعلن عنه، وأغلبهم يبيعونها بسعر 4500 ل.س بذريعة أجور النقل.
فلماذا لم تعلن وزارة التجارة عن سعرها النهائي المترتب على المستهلك، طالما أنها تعلم سلفاً أن سعرها سوف يتجاوز الـ 4000 ليرة عملياً؟

الخسارة بحدود 9000 ليرة سنوياً بالحد الأدنى

بالحسابات العملية، فإن السعر الذي كان يدفعه المواطن لقاء تبديل الأسطوانة كان بحدود 3000 ليرة، وسيصبح الآن بعد رفع السعر بحدود 4500 ليرة، أي: بفارق 1500 ليرة مع كل عملية تبديل، وبواقع 9000 ليرة سنوياً بالحد الأدنى، بحال استمر العمل بمدة التبديل كل شهرين.
وهذا المبلغ هو حجم التخفيض على الدعم الذي سيسحب من كل أسرة، بغض النظر عمّن سيستفيد من هذا التخفيض بالنتيجة، سواء كانت خزينة الدولة أو شركة محروقات أو الموزعين أو شبكات السوق السوداء.
فلا أحد يعلم ما سيصل إليه سعر أسطوانة الغاز في السوق السوداء للمضطرين على إثر رفع السعر الرسمي لها، فقد وصل سعرها خلال الفترة القريبة الماضية إلى 25-30 ألف ليرة.

شكاوى بلا جدوى

الأمر لم يقتصر على ما طرأ على أسطوانة الغاز المنزلي من تخفيض دعم، فعلى ما يبدو لا جدوى من الشكاوى المقدمة من قبل المواطنين بشأن تقاضي أسعار زائدة من قبل المعتمدين عن السعر المعلن رسمياً لأسطوانة الغاز المنزلي، حالها كحال أية شكوى تموينية أخرى، وربما الاستثناء على ذلك يؤكد القاعدة ولا ينفيها.
فالذرائع دائماً موجودة لتبرير الشذوذ السعري، وخاصة ذريعة أجور النقل، وإن جرى التأكيد على أهمية الشكاوى، أو التذكير بمضمون العقوبة المنصوص عنها بموجب القوانين بحال المخالفة.

والأنكى من ذلك، هو بعض التصريحات الرسمية التي تصب بنفس الاتجاه كنوع من التهرب ورفع المسؤولية عن كاهل الجهات الرقابية.
فقد نقل عن مدير حماية المستهلك في وزارة التموين: «أن سعر أسطوانة الغاز المنزلي يجب ألّا يتجاوز أربعة آلاف ليرة في عموم المحافظات»، وذلك بحسب صحيفة تشرين الأسبوع الماضي.
فمضمون التصريح يبرر الفارق السعري البالغ 150 ليرة بالحد الأدنى عن كل أسطوانة غاز منزلي من جيب المواطن صاحب الاستحقاق.
ربما المبلغ يعتبر قليلاً بالحسابات الفردية للمواطنين المستهلكين بحسب مضمون التصريح أعلاه، لكنه بالمقابل تجميعي وكبير بالنسبة للمعتمدين، والذي قد يصل إلى مئات الألوف من الليرات شهرياً، بحسب عدد الأسطوانات الموزعة خلال الشهر.
فهل هذا المبلغ ضئيل في حسابات الرسميين، كي يتم التغاضي عنه، وتبريره؟

الغاز الصناعي حديث آخر

تم رفع سعر أسطوانة الغاز الصناعي للمحال التجارية والمطاعم، البالغ وزنها 16كغ، إلى 6000 ل.س، وهذا يتبعه بالضرورة رفع بأسعار المأكولات والمنتجات القائمة عليها، فهل يستطيع أصحاب المحال والمطاعم الالتزام بسعر النشرات المعدلة للأسعار وفق رفع ثمن أسطوانة الغاز؟ علماً أن أسطوانة الغاز لن تصل هؤلاء، بحسب بعضهم، بأقل من 7000 ل.س.
عملياً، فإن واقع الحال يقول: إن الفارق السعري، سواء الرسمي أو ما يتم تقاضيه من قبل الموزعين عن كل أسطوانة غاز صناعي، ستتم إضافته إلى التكاليف التي ستقتطع من جيوب المواطنين المستهلكين بالنتيجة.

التلاعب بوزن الأسطوانة

كثير من المواطنين يشتكون من التلاعب بكميات الغاز الموجودة في الأسطوانة، فالتصريحات الرسمية المعلنة تقول: إن وزن الأسطوانة يجب أن يكون 10كغ، لكن الواقع العملي يقول: إن كثيراً من المعتمدين يتلاعبون بالكميات المعبأة بالأسطوانة، حيث يقوم بعضهم بسحب جزء من هذه الكمية لتعبئة الغازات الصغيرة، وهذه العملية تعتبر سهلة كون الختم البلاستيكي الذي من المفترض أن يوضع على كل أسطوانة لم يتم الالتزام به من قبل معامل التعبئة، والنتيجة، أن مدة استهلاك الأسطوانة من قبل كل أسرة أصبح أقل مما هو مفترض، وخاصة الأسر الكبيرة، الأمر الذي يدفع اضطراراً للجوء إلى السوق السوداء لتغطية الحاجة الفعلية بحسب مدة الاستلام، والتي أصبحت شهرين تقريباً، علماً أنه بحسب الإعلان الرسمي ما زالت 23 يوماً.
وبهذا الصدد ربما تجدر الإشارة أيضاً إلى أن بعض الموزعين يقومون بتعبئة أسطوانات الغاز بالمياه، كأسلوب في الغش والتدليس أيضاً على حساب الوزن الفعلي الرسمي، ولا يتبين ذلك بالنسبة للمواطنين إلّا بعد البدء باستهلاك الأسطوانة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه العملية غالباً ما يتم تسجيلها عبر شبكات السوق السوداء غير الثابتة، حيث لا تجدي الشكوى، والنتيجة، أن المواطن يقع ضحية السعر المرتفع الاستغلالي والكمية أيضاً.

سلامة المواطن المهملة

بعض أسطوانات الغاز تعتبر متضررة أو شبه تالفة، ومع ذلك لا يتم تبديلها إلّا بعد الكثير من الجدال من قبل المعتمد في بعض الأحيان، الذي يتذرع بالشركة غالباً، مما يشكل خطراً على سلامة المواطنين.
الخلل والضرر الذي يصيب أسطوانات الغاز لا يتعلق بهيكلها المعدني جراء التحميل والتنزيل والنقل فقط، وهو خلل غالباً يكون مشاهداً، بل والأهم ما قد يصيب صمام الأسطوانة نفسه من أضرار غير مرئية، ولا يتم اكتشافها إلّا عند فتحها واستخدامها في المنزل، وهو ما يشكل خطراً أكبر في بعض الأحيان. ومع ذلك فإن بعض الموزعين لا يقبلون استبدال الأسطوانة المتضررة، وفي بعض الأحيان يقبلون على مضض بعد تقاضي بدل قيمة الصمام المتضرر، وكأنه مسؤولية المواطن، وليس مسؤولية الشركة والموزع!

المواطن هو المتضرر دائماً

بمطلق الأحوال، فإن المواطن دائماً وأبداً هو المتضرر، سواء بالسعر أو بالوزن أو بالمواصفة وعوامل الأمان، يضاف إلى ذلك ما يجري على مستوى تخفيض الدعم المتتالي، وعوامل الاستغلال من قبل السوق السوداء بحال الاضطرار.
فإلى متى ستستمر وسائل التضليل المتبعة أعلاه، سواء الرسمية منها أو غير الرسمية؟!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1010
آخر تعديل على الإثنين, 22 آذار/مارس 2021 00:46