أفران قرى الدرباسية تتوقف... «العملة الجديدة» تعرقل وصول الطحين
في مشهد جديد يضاف إلى سلسلة الأزمات المعيشية التي تثقل كاهل الأهالي، توقفت الأفران العامة في عدد من قرى مدينة الدرباسية عن العمل، بعد رفض المطاحن تسليمها كميات الطحين المخصصة لها إلا لقاء دفع قيمتها بالعملة السورية الجديدة، في وقت تعاني فيه محافظة الحسكة من نقص حاد في هذه العملة وعدم توافرها بالكميات اللازمة في الأسواق والتعاملات اليومية.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يعتمد فيه سكان القرى على الأفران العامة لتأمين مادة الخبز، باعتبارها من أساسيات المعيشة، الأمر الذي يجعل توقفها لا يندرج في إطار مشكلة إدارية أو مالية عابرة، بل يتحول مباشرة إلى مشكلة تمس الأمن الغذائي للأهالي، ولا سيما ذوي الدخل المحدود الذين يواجهون أصلاً ارتفاعاً متواصلاً في أسعار المواد الأساسية وتراجعاً في قدرتهم الشرائية.
أزمة عملة تتحول إلى أزمة خبز
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن المطاحن تشترط دفع قيمة كميات الطحين بالعملة الجديدة، وترفض تسليم المخصصات للأفران التي لا تتمكن من تأمينها. وفي المقابل، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذه العملة غير متوافرة بصورة كافية في محافظة الحسكة، ما يضع الأفران أمام معادلة مستحيلة؛ إما تأمين عملة غير متوفرة، أو التوقف عن استلام الطحين وبالتالي التوقف عن إنتاج الخبز.
وبذلك، تحولت مشكلة استبدال العملة وتداولها من قضية نقدية وإدارية إلى أزمة تطال مادة غذائية أساسية. فحين تكون العملة المطلوبة غير متاحة، يصبح وصول الطحين إلى الفرن مرتبطاً بعامل خارج قدرة القائمين عليه، فيما يدفع المواطن ثمن هذا التعقيد من خلال فقدان مادة الخبز أو اضطراره للبحث عن بدائل أكثر كلفة.
المواطن يدفع الثمن
ولا يحتاج سكان القرى إلى أزمة جديدة تضاف إلى قائمة أزماتهم اليومية. فارتفاع
الأسعار، وتراجع قيمة الدخول، وصعوبة تأمين مستلزمات الحياة الأساسية، كلها أعباء
تجعل الخبز واحداً من آخر المواد التي يمكن للأسر الاستغناء عنها.
وفي حال استمرار توقف الأفران، فإن الأهالي سيكونون أمام خيارات محدودة، إما شراء الخبز من مناطق أخرى وتحمل تكاليف النقل والأسعار، أو اللجوء إلى الأفران الخاصة إن كانت متاحة، وهو ما قد يعني تكاليف إضافية على الأسر، خصوصاً في القرى التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات وارتفاع تكاليف النقل.
المشكلة هنا ليست في عدم وجود الطحين، بحسب المعطيات، وإنما في آلية تسليمه وربطها بعملة لا تتوافر بالكميات المطلوبة. وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة قابلة للحل إذا جرى التعامل معها بعيداً عن البيروقراطية الجامدة، ووضع احتياجات المواطنين في مقدمة الاعتبارات.
ضرورة إيجاد حل فوري
إن استمرار توقف الأفران العامة في قرى الدرباسية بسبب مشكلة العملة يطرح أسئلة جدية حول آليات إدارة المرحلة الانتقالية للعملة الجديدة، ومدى جاهزية المؤسسات المعنية لتأمين السيولة اللازمة في المناطق التي لم تصل إليها الكميات المطلوبة منها.
فلا يمكن أن تكون معالجة ملف العملة على حساب تأمين الخبز، ولا يمكن تحميل الأفران والمواطنين نتائج نقص السيولة النقدية. المطلوب هو تدخل سريع من الجهات المعنية، وتأمين آلية مؤقتة تسمح للمطاحن بتسليم الطحين للأفران، إلى حين توفير العملة الجديدة بكميات كافية، خصوصاً أن الأمر يتعلق بمادة لا تحتمل التأخير أو التعطيل.
وفي ظل واقع معيشي هش، فإن تحويل الخلاف على وسيلة الدفع إلى توقف للأفران يعني ببساطة نقل أزمة إدارية إلى مائدة المواطن. والمطلوب اليوم ليس مزيداً من الإجراءات التي تعقّد وصول الطحين، بل قرارات واضحة تضمن استمرار إنتاج الخبز ووصوله إلى الأهالي دون انقطاع.
فحين يتوقف الفرن، لا يتوقف إنتاج سلعة عادية، بل يتوقف جزء من دورة الحياة اليومية للأسر. ولذلك فإن معالجة هذه المشكلة ينبغي أن تكون عاجلة، لأن رغيف الخبز لا ينتظر اكتمال الإجراءات، والمواطن لا يستطيع أن يدفع ثمن أخطاء الإدارة من قوته اليومي.