يومياً أمام مشفى الأطفال ومشفى المواساة في دمشق يفترش مرافقو الأطفال والمرضى الأرصفة، ينامون على الكرتون والبطانيات البالية، بعضهم لأسابيع والبعض الآخر لأشهر.
وهذا المشهد ليس عابراً أو ظاهرة هامشية يمكن تمريرها كأحد «توابع الحياة» في زمن الأزمات؛ إنه تجسيد ملموس لانهيارات اقتصادية واجتماعية بالجملة، تضرب جذور النظام الصحي والاقتصادي من أساسه.
فقرٌ مدقع
المعطى الأكثر حسماً هو حجم الفقر الذي يعيشه السوريون. ففي بلد يعيش فيه تسعة من كل عشرة أشخاص تحت خط الفقر، يصبح النوم في العراء صورة حية لواقع الغالبية العظمى.
ولا سيما وأن تكلفة الإقامة في الفنادق أو الشقق المفروشة في دمشق تُقدَّر بمبالغ تفوق قدرة معظم السوريين، بينما تبلغ كلفة الليلة الواحدة في المستشفيات الخاصة أكثر من أربعة ملايين ليرة. أما تكاليف العلاج نفسها، فباتت تشكل عبئاً لا يُطاق، بعد أن أصبح شراء مستلزمات العلاج من مسؤولية المرافق.
فالجرعات الكيميائية التي كانت تصرف مجاناً، تجاوزت تكلفة بعضها 600 دولار شهرياً. وبين إبر وقفازات طبية وأدوية وتحاليل وصور أشعة تُطلب من المرافق، تصبح الفاتورة اليومية عند بعضهم بمئات آلاف الليرات.
أي إن مجانية الطبابة التي لا تزال تلوّح بها الوزارة وكأنها منّة، هي «مجانية» في الإعلان، و «مدفوعة» في التطبيق.
وفي هذا السياق، يُصبح افتراش الأرصفة خياراً قسرياً؛ فبعد أن أنفقت الأسرة كل ما تملك على تكاليف السفر والعلاج، لا يتبقى بحوزتها أي مبلغ لاستئجار غرفة.
والأب القادم من دير الزور أو الحسكة أو درعا يجد نفسه أمام خيار واحد؛ الرصيف!
تمركز الخدمات وتفريغ المحافظات
وتتعلق الأزمة ببنية القطاع الصحي نفسه. فالخدمات الطبية المتخصصة تتمركز بشكل شبه كامل في دمشق التي تعاني كذلك من نقص حاد في الكوادر والمستلزمات. ويمثل مشفى المواساة أو الأطفال نموذجاً لهذا التدهور؛ نقص كبير في الأدوية والمعدات؛ والأجهزة الطبية معطلة؛ وكادر يعمل فوق طاقته، نتيجة نقص التمويل وتزايد الطلب على الخدمات.
كما أن وجود مشفى مركزي وتخصصي وحيد لعلاج أمراض معينة، يعني حتماً تدفق المرضى ومرافقيهم من كل المحافظات نحو دمشق، محولاً إياها إلى قبلة للعلاج ومكبّاً للمعاناة في الوقت نفسه.
وبدلاً من أن تكون هناك مشافٍ تخصصية موزّعة بعدل في كل محافظة، فيها كل المستلزمات والتجهيزات والكوادر، يضطر المواطن المفقر إلى السفر مئات الكيلومترات تاركاً عمله ومنزله، ليصل إلى دمشق فيجد نفسه أمام مشفى مزدحم بالمرافقين حوله «إقامة ومبيت»، وبلا قدرة على توفير احتياجاته الأساسية.
ويصبح تمركز الخدمات التخصصية في دمشق واستمراره رغم الدمار الذي لحق بباقي المحافظات تجسيداً لاختلال العدالة التنموية. فالمحافظات البعيدة تُترك من دون خدمات صحية متكاملة، ما يجبر أبناءها على تحمل نفقات السفر والعلاج.
وهذا التمركز ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج سياسات أهملت المحافظات وحولت دمشق إلى مركز جذب لكل شيء، بما في ذلك المعاناة.
نحو استخلاص العبر
تبقى ظاهرة افتراش الأرصفة عرضاً من أعراض مرض اجتماعي- اقتصادي مزمن، تعكس فشلاً اقتصادياً جعل الغالبية العظمى من السوريين تحت خط الفقر؛ وفشلاً صحياً تمثل في تركيز التخصصات في العاصمة مقابل تجاهل الدمار الحاصل في البنى التحتية في المحافظات.
وكل ذلك في ظل غياب الدولة عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها، وتخليها عن توفير الرعاية والكرامة.
ليس المطلوب اليوم مشاريع ضخمة ولا ميزانيات خرافية، بل قرار عاجل ومسؤول يضع حداً لهذا المشهد غير الإنساني.
الحل المؤقت والضروري متاح وبسيط: تخصيص قاعات مؤقتة، وإعادة تأهيل مراكز إيواء تابعة لعدد من الوزارات، ومنها مثلاً وزارتا الأوقاف والشؤون الاجتماعية والعمل، وتأمينها بالحد الأدنى من الخدمات اللازمة لاستقبال ذوي المرضى إلى حين انتهاء فترة علاج مرضاهم.
فتركُ هؤلاء الناس في الشوارع، تحت حرارة الصيف، وجعلهم عرضة للاستغلال، ليس أمراً طبيعياً ولا ينبغي أن يصبح مشهداً معتاداً.
المطلوب إجراء فوري وعاجل، بإمكانات بسيطة، يحفظ كرامة الناس ويؤمّن لهم مأوى مؤقتاً ريثما يتم الوصول إلى حل دائم.
أما الحل الدائم والجذري فيبقى مرهوناً بإعادة توزيع الخدمات الصحية وإنشاء مشافٍ تخصصية في كل محافظة، لقطع الطريق على هذه الرحل القسرية التي تستنزف المواطن وتذل كرامته؛ وهي مسؤولية تتحملها السلطة، ولا تسقط بالتقادم ولا تبررها الأعذار الاقتصادية.