Skip to main content

عسكرة تايوان... وتأجيج الصراع في المحيط الهادئ

 |  حلا الحايك  |  عربي دولي

تحولت جزيرة تايوان في الآونة الأخيرة إلى ساحة تجارب للاستراتيجية الغربية الرامية لتطويق الصين، حيث يتم تسخير مقدرات الجزيرة لخدمة مصالح الهيمنة الغربية عبر خطط التسليح المكثف. ويعكس هذا المسار محاولة واشنطن المستمرة لجر المنطقة إلى أتون حرب بالوكالة تدفع الشعوب الآسيوية ثمنها من أمنها وتنميتها المستقلة.

مناورات «هان غوانغ 2026»


شهدت تايوان، في الفترة الممتدة من 5 إلى 14 آب، مناورات «هان غوانغ» العسكرية، التي وُصفت بأنها الأضخم في تاريخ الجزيرة. ولم تقتصر هذه التدريبات على التحركات العسكرية التقليدية كإطلاق النار على شواطئ مضيق تايوان ومحاكاة التصدي لإنزال بحري، بل شملت إقحاماً مباشراً للمجتمع المدني عبر تخفيض سرعات الإنترنت وقطع الاتصالات لاختبار صمود المدن.
وتأتي ميزة اللامركزية في نظام القيادة والسيطرة المطبقة في مناورات هذا العام، والتي تتمثل عملياً في تمكين القادة والضباط الميدانيين الموجودين مباشرة في جبهات القتال من اتخاذ القرارات العملياتية والميدانية بشكل مستقل وسريع، دون الحاجة إلى الانتظار أو الرجوع إلى القيادة المركزية لتلقّي الأوامر. لتكشف عن رغبة في إعداد الجزيرة لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد.
وقبيل هذه المناورات، صرح الرئيس التايواني لاي تشينغ-تي، داعياً إلى مواجهة ما يصفه بـ«الإرهاب الأحمر» قائلاً: «مع استمرار توسع استبداد الحزب الشيوعي الصيني، ينتشر الإرهاب الأحمر أيضاً في كل ركن من أركان العالم».
وجاء الرد الرسمي الصيني حازماً، فإلى جانب التأكيد المستمر على الالتزام بمبدأ «الصين الواحدة»، صرحت المتحدثة باسم مكتب شؤون تايوان في بكين، تشو فنغ ليان، بأن إدارة لاي تستخدم شعار الديمقراطية كغطاء لترويج الانفصال وعسكرة الجزيرة، واصفة إياه بأنه «مخرب للسلام، وبائع للحروب، وصانع للمتاعب».
كما أشارت بكين إلى أن تايبيه هي التي تفرض في الواقع «إرهاباً أخضر» داخلياً لقمع معارضيها والتضييق على التفاعلات الشعبية. وكذلك، شنت بكين في 22 آب، هجوماً لاذعاً على لسان المتحدثة تشانغ هان، التي أكدت أن خطابات لاي تشوبها العدائية والغرور والافتراء، مضيفة أنه «مزق قناع عدم وجود قضية انفصال ليكشف عن وجهه كعامل للانفصال بالوكالة»، واضطهاد القوى المؤيدة للسلام عبر المضيق. ويرى محللون هذا الشحن الأيديولوجي وسيلة لتوظيف الجزيرة كأداة عسكرية لتعطيل التكامل الاقتصادي الإقليمي في آسيا.


فخ الميزانيات المليارية وتحويل الجزيرة إلى مخزن سلاح


تحت ضغوط أمريكية مباشرة ومتواصلة، انخرطت تايبيه في سباق تسلح يستنزف مواردها العامة. ففي 26 تشرين الثاني 2025، أعلن الرئيس التايواني عن ميزانية دفاع خاصة مدتها ثماني سنوات بقيمة 1.25 تريليون دولار تايواني جديد «ما يعادل 40 مليار دولار أمريكي» مخصصة لشراء الأسلحة من الولايات المتحدة وتطوير القدرات اللامتناظرة. وتسعى الحكومة لرفع الإنفاق الدفاعي ليتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2026، وصولاً إلى 5% بحلول عام 2030.
هذا النزوع نحو العسكرة واجه معارضة داخل البرلمان التايواني، حيث قلصت أحزاب المعارضة «كومينتانغ، وحزب الشعب» الميزانية المقترحة في أيار بنحو الثلث «نحو 15 مليار دولار» لتقتصر على 25 مليار دولار. في محاولة لكبح الهدر المالي الموجَّه إلى خدمة مصانع السلاح الأمريكية بدلاً من تلبية الاحتياجات التنموية الحقيقية للمواطنين.


المناورات الصينية – الإندونيسية


في مقابل السعي الأمريكي لعزل الصين وتأطير المنطقة ضمن أحلاف عسكرية مغلقة، جاءت المناورات البحرية المشتركة بين بكين وجاكرتا في منتصف آب 2026 لتؤكد رغبة القوى الإقليمية في الحفاظ على استقلاليتها الجيوسياسية.
وشهدت هذه المناورات، التي انتهت في 12 آب شرق جزيرة تايوان، مشاركة الفرقاطة الصينية «هونغهي» والفرقاطة الإندونيسية «كيه آر آي إي غوستي نغوراه راي». ورغم أن التدريبات ركزت على الاتصالات والتموين اللوجستي البحري، فإن موقعها أثار حفيظة تايبيه، حيث ندد مجلس شؤون البر الرئيسي في تايوان بالخطوة واصفاً إياها بأنها «استفزاز عسكري وسلوك خطير يقوض الوضع الراهن» مدعياً أن بكين تحاول إعطاء «انطباع زائف بأنها تتمتع بولاية قضائية على المياه الواقعة شرق تايوان».
تثبت هذه المناورات عقم المحاولات الأمريكية لعزل الصين بحرياً، وتظهر أن دول المنطقة، مثل إندونيسيا، تفضل التعاون اللوجستي وبناء الشراكات المتوازنة على الانخراط في معسكرات المواجهة التي تروِّج لها واشنطن.


في المحصلة


تؤكد الوقائع مراراً أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يسعون إلى بناء الاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بل يعيدون إنتاج سيناريوهات الحروب بالوكالة. فمبيعات السلاح المتزايدة لتايبيه والدفع بنخبها نحو استنزاف الموارد في سباقات تسلح لا تنتهي، يهدفان أساساً إلى فرض حصار جيوسياسي حول الصين وتطويق صعودها الاقتصادي المترابط مع دول الجنوب. وتحاول هذه القوى دفع المنطقة نحو استقطاب حاد، محولةً تايوان إلى خط تماس مباشر، بغرض الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي عبر استنزاف الشعوب وإدامة التوتر الدولي. وعليه، إن استقرار المحيط الهادئ لن يتحقق عبر تحويل تايوان إلى ثكنة عسكرية، بل بإنهاء التدخلات الخارجية التي تستخدم الشعوب وقوداً لحروب الهيمنة بالوكالة.