الفشل الأمريكي-«الإسرائيلي»… المحرك الخفي للعدوانية المفرطة!
رغم أن التوتر الذي يشهده غرب آسيا أصبح وضعاً ثابتاً في المشهد الإقليمي، إلا أن شدّة هذا التوتر متغيرة، وترتبط بعدد كبير من الملفات المتشابكة، التي تتداخل فيما بينها مما يصعّب في أحيانٍ كثيرة تحديد العوامل التي تؤثر على المناخ العام في منطقتنا، لكن أحداث الأيام القليلة الماضية تؤكد بشكلٍ حاسم أن الظرف الحالي لا يزالُ شديد الخطورة وتحديداً بسبب الفشل الأمريكي-«الإسرائيلي».
إن وسائل الإعلام ركزت مؤخراً على التصعيد بين «إسرائيل» وتركيا بعد أن استهدف الكيان مطار أبو الظهور في سورية القريب جداً من الحدود التركية، الضربة تعد تصعيداً كبيراً بلا شك، لكن ينبغي الانتباه إلى أننا أمام سلسلة من الأحداث المترابطة التي تعد ممراً إجبارياً لفهم التصعيد الأخير.
التصعيد شامل وعلى جميع الجبهات
إن الضربة «الإسرائيلية» في سورية كانت حلقة مهمة في سلسلة التصعيد، لكنها ليست الوحيدة، فعلى الجبهة الإيرانية تتبنى واشنطن خطاباً تصعيدياً مستمراً، فرغم أن الحزمات الجديدة من العقوبات الاقتصادية لن تؤثر بشكلٍ جديٍّ على طهران، لكنها مؤشرٌ على أن جعبة واشنطن لا تحتوي خياراتٍ كثيرة، ونظراً إلى أن واشنطن لم تُبدِ بعد أي نية جدّية للقبول بالواقع الجديد فهذا يعني أن الحرب مستمرة، وأن احتمالاتها مفتوحة أيضاً، خصوصاً أنّ واشنطن بدأت تزيد من نطاق تهديداتها ولم تعدْ محصورةً في إيران، وكان آخرها التهديد الذي أطلقه ترامب حول إمكانية قصف سلطنة عمان، إذا ما «وقفت في طريق الولايات المتحدة».
من جهة ثانية، وإلى جانب الضربة «الإسرائيلية» الأخيرة في سورية تُظهر تل أبيب سلوكاً عدائياً بشكلٍ متصاعد، فعادت إلى التصعيد في جنوب لبنان وسورية، وتزداد سخونة المواجهات في كلٍّ من غزّة والضفة الغربية، هذا بالإضافة إلى تهديدات مستمرة ضد إيران ودول عربية أخرى، وكذلك تصريحات استفزازية لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو قال فيها إنّهُ لن يسمح بقيام دولة فلسطينية أبداً!
واقع لا يمكن تجاهله!
إن عرض ما سبق لا يعني إطلاقاً أن «إسرائيل» والولايات المتحدة قادرتان على فرض إرادتهما على الإقليم، بل المسألة ببساطة هي أن هذا المحور مني بخسائر فادحة منذ 7 أكتوبر، وبالرغم من المعارك التي ربحها إلا أنّهُ يخسرُ الحرب، وهو تحديداً ما كان يحذّر منه عدد كبير من المحللين الجدّيين داخل «إسرائيل» وخارجها، ولكي نستطيع إدراك معنى ذلك ينبغي التذكير ببعض التفاصيل التي قد تغيب خلف ضباب الضخ الإعلامي الكثيف.
فأولاً: شكّلت الحرب الأخيرة استنزافاً حقيقياً للغرب دون تحقيق أيٍّ من الأهداف المعلنة، وتؤكد عشرات التقارير يومياً أن قدرة الولايات المتحدة على تجديد مخازنها بالسرعة المطلوبة هي مسألةٌ عسيرةٌ جداً، وخصوصاً لارتباط جزءٍ من سلاسل توريد الأسلحة الأمريكية بأطراف أخرى في الخارج على رأسها الصين، والتي سبق لها أصلاً أن اتخذت خطوات لإعاقة وصول بعضٍ من خامات الأسلحة الأساسية مثل معادن الأرض النادرة إلى واشنطن.
من جهةٍ اخرى، أكدت أطرافٌ مقرّبةٌ من أصحاب القرار داخل إيران أنَّ الأخيرة لم تعد في موضع الدفاع الاستراتيجي بل انتقلت فعلياً إلى الهجوم المضاد، وهو ممكن جداً بالمعنى العسكري والسياسي، فإن قبول طهران بالواقع الحالي والبقاء في موقع المتلقّي وانتظار خطوة واشنطن
القادمة يمكن أن يؤثر سلباً على إيران في المدى الاستراتيجي، وهي لذلك مدعومة بشبكة علاقات راسخة مع دول الشرق تقوم بزيادة إنتاجها العسكري بوتيرة تتفوق على خصومها وتسمح لها بالإمساك بزمام المبادرة، ووضع شروط لوقف الحرب بدلاً من أن تمتثل لشروط واشنطن! وهو ما يفسر السبب في إصرار إيران الآن على أنّها لن تدخل في مفاوضات مع واشنطن قبل أن تنفذ الأخيرة الشروط الإيرانية.
«الانتخابات» أم أبعد من ذلك؟
يحاول بعض المحللين تفسير سلوك «إسرائيل» العدواني الأخير من زاوية الانتخابات المقبلة وحظوظ نتنياهو المتدنية فيها، لكنّ المسألة أوسع من ذلك، فرغم ضرورة الإقرار أن نتنياهو وحلفائه يعملون على التحكم قدر الإمكان بنتائج الانتخابات، فإنّهم يواجهون أيضاً أخطاراً جديدةً كلّ يوم!
فرغم أن «إسرائيل» سمعت تأكيدات الدول التي انضمت مؤخراً إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك، والتي قالت فيها إن هذه الاتفاقية ليست موجهة ضد أحد، وأهدافها دفاعية بحتة، لكنّ تل أبيب أدركت بالطبع أن أي اتفاقية دفاعية بعيدة عن المظلة الأمريكية هي خطوة سيئة بالنسبة «لإسرائيل»، فإن هذا التوجّه الإقليمي الجديد يشمل التعاون في مجالات الصناعات الدفاعية، وهذه الدول منفتحة بالفعل على الحصول على الأسلحة من مصادر مختلفة مثل صفقات السلاح الصيني التي تحصل عليها باكستان، ومنظومة S400 التي حصلت عليها أنقرة من روسيا، ما يعني فعلياً أن الضمانة التاريخية الأمريكية في الحفاظ على تفوق «إسرائيل» الإقليمي قد انتهى، وسريعاً ستجد تل أبيب نفسها وسط مشهدٍ جديدٍ كلياً لم تشهده منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.
فبالنسبة إلى «إسرائيل» اتفاقُ مكة يطوي أي احتمال للتقارب مع السعودية، ويجمع بين قوى معادية بالنسبة لتل أبيب، وخصوصاً مع الحديث عن إمكانية انضمام مصر، التي نفّذت منذ أيام مناورات مشتركة مع الجانب الصيني شملت طائرات حديثة تشكّل كابوساً بالنسبة لـ «إسرائيل»، وذلك مع العلم أن الأوضاع داخل الأراضي المحتلة تغلي، حيث سلّم جيش الاحتلال وزارة الحرب تحذيراً استراتيجياً شاملاً، وحذَّر من تداعيات انفجارٍ متوقع في الضفة الغربية، إذ قالت مصادر «إسرائيلية» إنّ جيش الاحتلال يرى أن الجمهور الفلسطيني بدأ يفقد صبره، ويمكن أن يُقدم على التحرك، ويبدو أن الجيش يرى ظرفاً مشابهاً لما سبق 7 أكتوبر لكن هذه المرة في الضفة الغربية، ما يعني أن «إسرائيل» لم تستطع تغيير أي معادلة داخلية منذ 7 أكتوبر بشكلٍ جذري، بل تتوقع أحداث مشابهة.
كيف يترابط كلّ هذا؟
إذا ما أردنا إعادة ترتيب ما سبق مع إضافة معطى جديد بالغ الأهمية، وهو أن سندات الخزينة الأمريكية تراجعت إلى المستوى الثاني بعد الذهب من حيازات البنوك المركزية بحسب بيانات البنك المركزي الأوروبي، وذلك للمرة الأولى منذ اتفاقية بريتون وودز التي ثبتت الدولار في موقعه المتقدم. والذي يعكس من جهة ضعف الثقة الكبير في الدولار الأمريكي، ولكنه يعني أن تداعيات التخلي عن الدولار دخلت مرحلة جديدة ستضرب بشدة في الداخل الأمريكي، وستزداد شدتها مع الوقت، ورغم أن هذا الاتجاه كان واضحاً وليس مفاجئة بحد ذاته، لكن المشكلة أن واشنطن كانت تسعى لتأخيره عبر الحرب الأخيرة ومجمل سلوكها العدواني مؤخراً وفشلت في ذلك.
الولايات المتحدة و«إسرائيل» أدركتا باكراً أنّهما أمام مفصل تاريخي حقيقي، وينبغي البدء بخطوات استباقية قبل فوات الأوان، وكان المطلوب فرض واقع جديد في غرب آسيا والسيطرة المطلقة على كل مصادر النفط والتحكم بها وضمان بقاء «إسرائيل» قوّة متفوقة في الإقليم في مقابل دول أضعف متناحرة فيما بينها، لكن ما جرى كان العكس تماماً، إذ لم تستطع واشنطن أو تل أبيب تحقيق هذه الأهداف، بل ولسخرية القدر، كان سلوكهم في غرب آسيا محفزاً ومسرعاً للتحولات الإقليمية الجارية، فبدلاً من منع المصالحات الإقليمية وجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة اتفاقية دفاع مشترك، ودخول لاعب جديد هو باكستان، القوة الإسلامية النووية.
إن مراقبة ما يجري من وجهة النظر الأمريكية-«الإسرائيلية» سيكون بالتأكيد مشهداً مرعباً، وهذا تحديداً ما يفسر كل هذه العدائية، فإن العدوانية الصهيونية التي نراها وفي كلّ الاتجاهات ليست معركة انتخابية بل معركة وجود، تماماً كما أن إقرار ترامب بشروط إيران ليس الإقرار بمعركة خاسرة بل الإقرار بأن العالم قد تغيّر وأن واشنطن لم تعد القوة العظمى التي عرفها الناس، وعليها لذلك أن تفسح المجال لتلك القوى الجديدة التي بدأت بالفعل تملأ الفراغات الكبرى.