Skip to main content

«اتفاقية مكّة» وأدوات التحليل البالية

 |  علاء أبوفرّاج  |  عربي دولي

رغم كل ما كتب حتى الآن حول اتفاقية مكّة للدفاع المشترك تظّل هذه الخطوة مسألةً محوريةً، وتحتاج إلى فهمٍ حقيقي، لكن المشكلة التي يمكن رصدها ترتبط فعلياً بأن فهم ما جرى في مكة يحتاج إلى نقطة انطلاق صحيحة، نقطة تشمل إدراكاً حقيقياً لكل ما حولنا واتجاهات تطوره العامة، وهو ما يغيب عن أذهان تيارٍ عريض من المحللين.

تُبنى معظم التحليلات السياسية أو الإعلامية على جملة من الأسس المحددة، فينبغي أولاً فهم المصالح العميقة للدول وظروفها الداخلية، والانطلاق إلى فهمٍ دقيق للتوازنات الإقليمية والدولية، بغية إدراك العلاقات الدولية البينية، واستيعاب السياسات الخارجية التي تكون غالباً مفتاحاً لفهم الاصطفافات والتقارب أو حتى العداء والتنافس.
إن ما سبق وإن بدى بديهاً للوهلة الأولى، إلّا أنّ تحويله إلى منهجٍ موضوعي وعلمي في التحليل يظلُّ مسألةً أصعبَ بكثير من الموافقة النظرية عليه، بل إن نسبة كبيرة من المحللين، يرون «المصالح» مجرد «مخرج طوارئ» يسمح لهم بإثبات ما يعجزون عن إثباته، فهي المحرك الخفي للدول، وكثيراً ما نرى استنتاجاتٍ متناقضة يكتفي أصحابها للبرهنة عليها بذكر «المصالح» كتفسيرٍ دون حتى محاولة فهم المصلحة الحقيقية.
على أساس ما سبق تظهر المشكلة الأكبر في فهم اتفاقية مكّة التي تضم باكستان والسعودية وتركيا، فينطلق معظم من يحاول تفسيرها من معطيات بالية، انتهت مدّة صلاحيتها منذ زمن، وهم لذلك محكومون بنتائج خاطئة، ولكي نتجنّب ذلك سنعرض أولاً بعضاً من تلك الأفكار التي لم تقارب الواقع وتراه مشوهاً مقلوباً على رأسه، ثم نحاول أن نعرض الواقع الجديد الذي يصلح وحده لتفسير ما يجري.


بعض الاستنتاجات!


كتب الدبلوماسي الإيطالي السابق ماركو كارنيلوس، مقالاً يعرض فيه قراءته لما جرى في مكة، ورغم إقراره بانعدام الثقة في قدرة الولايات المتحدة على تأمين الحماية لأطراف الاتفاق، إلا أنّه يرى فيه «محوراً سنيّاً» جاء على أنقاض «محور شيعي» ويرى أن الأطراف المرشحة للتقارب معه، هي الدول «السنّية» في المنطقة. وفي مقالٍ آخر نشرته جريدة الأخبار اللبنانية، يظهر هذا النمط من الآراء بشكلٍ أوضح، فالكاتب هناك ينقل لنا قلق بعض «المراقبين» من أن «الهوية السنّية» لدول اتفاقية مكة تنذر بتسعير الصراع المذهبي في المنطقة، ويرى أن مصر تتردد بالانضمام إلى «البلوك السني» (بحسب توصيفه) تحوُّطاً من تأجيج الصراع المذهبي.
رؤية الكاتب لا تتوقف هنا، بل يرى أن دول الاتفاقية الأساسية تدور في فلك الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى هذا الأساس يمكن أن ينظر إلى اتفاقية الدفاع المشترك كأداة بيد الغرب أو وكيلاً عنه، ويخلط الكاتب بين السببية والتتابع إذ يرى أن توقيع اتفاق مكّة ونظراً لأنه تلا اجتماع الناتو في تركيا فهو بالضرورة امتداد للتحالف الغربي سيِّئ الصيت.
ومن ضمن الاستنتاجات كانت تلميحاتٌ جاءت في مقال الكاتب سيف السعدي حول الموضوع قال فيها إنّ «إسرائيل» وإيران رغم التناقض فيما بينهما إلا أنّهما يمكن أن تتشاركا القلق من التحالف الجديد الناشئ، ويستند في تحليله «المدهش» هذا على أن «إيران شيعية و(إسرائيل) تقلق من تحالفٍ إقليمي سنّي جديد».
إنّ النظر إلى هذه الآراء التي تشكّل جزءاً يسيراً مما يجري تداوله مؤخراً يشير إلى خلل بنيوي في فهم طبيعة التغيرات التي تجري في الإقليم، وتحديداً الموقف من الولايات المتحدة ودورها التخريبي في غرب آسيا وتحديداً كون واشنطن إلى جانب «إسرائيل» كانت المسؤولة عن التطورات الأخيرة بعد الحرب على إيران. ويمكننا الانطلاق من التدقيق في موقف الأطراف الثلاثة من الولايات المتحدة تحديداً، لأنه مدخل جيّد لنرى ما الذي يوحد هذه الدول فعلاً؟


الموقف السعودي


ارتبطت السعودية بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة منذ عقود وتحديداً منذ سبعينيات القرن الماضي، ما شكّل أساساً لنظام البترودولار، الذي قام على تبادل المنفعة، وجرى ترسيخه عبر سلسلة من التفاهمات والاتفاقيات التي ظل بعضها غير معلنٍ لفتراتٍ طويلة، ضمنت السعودية بموجب هذه التفاهمات تسعير وبيع النفط بالدولار الأمريكي والتزمت باستثمار جزء أساسي من عوائد بيعه في سندات الخزينة الأمريكية، وفي المقابل تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم الدعم العسكري والأمني للمملكة السعودية. وظلّت هذه العلاقة قائمة حتى بدأت الولايات المتحدة تخلّ بالتزاماتها تجاه الرياض فضلاً عن ازدياد المخاوف السعودية من قدرة واشنطن على تضييق الخناق الاقتصادي على الرياض بسبب سيطرتها على جزء مهم من الثروة السعودية نظراً لكونها استثمارات موجودة داخل الولايات المتحدة.
فالولايات المتحدة أظهرت خلال عددٍ كبير من المحطات في التاريخ أنّها ترى في السعودية مركزاً لانطلاق عملياتها في المنطقة دون التفكير في عواقب السلوك الأمريكي على الأمن الوطني السعودي، وشكّل الهجوم الحوثيّ على منشآت أرامكو في 2019 لحظة مفصلية، إذ أظهر الهجوم حجمَ الفجوة بين الوعود الأمريكية والواقع، فبدلاً من أن تتمتع السعودية بحصنٍ عسكري منيع تؤمِّنه واشنطن ظهرَ العكس تماماً، وبدلاً من تقديم الدعم العسكري المباشر تقاعست الولايات المتحدة عن ذلك، وأخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحاول ابتزازَ السعودية لكي «تدفع مقابل الحماية الأمريكية».
هذه الأحداث التي قد تبدو للوهلة الأولى أحداثاً عادية، تركت أثراً كبيراً تراكمياً داخل السعودية التي وجدت نفسها مضطرة للمرة الأولى في تاريخها للبحث عن شركاء أمنيين جدد قادرين على تلبية احتياجاتها، ورغم أن التوجّه السعودي العام لم يسلك إلى قطيعةٍ نهائيةٍ مع الولايات المتحدة، إلا أنّه بكل تأكيد أخذ أشكالاً جديدة تنتهي فيه حصرية الاعتماد على واشنطن نظراً لكونها طرفاً غير موثوق. وكان وزير الخارجية السعودي الأسبق سعود الفيصل وضّح في مقابلةٍ مع الصحفي ديفيد أتوتواي هذا التوجه الجديد حين قال: إن العلاقة مع الولايات المتحدة ليست «زواجاً كاثوليكياً» يُلزم الرياض بالولاء لطرفٍ واحد، بل هي أقرب للزواج الإسلامي الذي يحلِّل الزواج المتعدد، وأكَّد أن هذا لا يعني أبداً «الطلاق» بين الدولتين بل يسمح بتنويع الحلفاء.
الموقف السعودي الجديد هذا يتطور ببطء ولكنه ظلّ ثابتاً رغم كل محاولات الضغط والإكراه الأمريكية، بل إنّ الرياض وبشكلٍ معاكس للرغبة الأمريكية وطّدت علاقتها مع الصين، مما سمح للأخيرة بتحقيق اختراق لاستعادة العلاقات بين السعودية وإيران، وهو ما أسس لمرحلة جديدة مختلفة كلياً عن الرسمة الأمريكية التقليدية.
ويمكن القول إنّ القلق السعودي من الدور الأمريكي في المنطقة تعاظم بسرعة أكبر منذ 7 أكتوبر، وذلك لأن واشنطن وبدلاً من لجم «إسرائيل» قدّمت لها دعماً شاملاً على حساب الأمن الوطني لدول الإقليم، وصلت إلى درجة أن سفير واشنطن لدى تل أبيب مايك هاكابي رأى أنّه «من الجيد» أن تسيطر «إسرائيل» على رقعة كبيرة من الأرض تمتد من الفرات إلى النيل، وتشمل فيما تشمله جزءاً من الأراضي السعودية، ما نبّه الرياض مجدداً إلى أنّ العلاقة مع واشنطن لا تضمن أمنها على الإطلاق.


الموقف التركي


من جهة أنقرة، كانت العلاقة مع الولايات المتحدة جزءاً من استراتيجية شاملة، وسعت تركيا لتثبيت هذه العلاقة، وسعت في محطات متكررة لإظهار ولائها للكتلة الغربية بقيادة واشنطن، وكانت أبرز هذه المحاولات هي المشاركة التركية في الحرب الكورية أملاً في الانضمام إلى حلف الناتو، وأرسل الجيش التركي أربعة ألوية شكّلوا وحدةً أساسيةً قاتلت على الأرض عام 1950، ورغم الخسائر التركية الكبيرة، إلا أن أنقرة حصلت بموجب هذه «المساهمة» على مبتغاها، وتم التوقيع على بروتوكول انضمامها إلى الناتو في أواخر العام 1951، ومنذ ذلك الحين، ظلّت تركيا عضواً فاعلاً في تحالف الناتو، والمصدر الأكبر لقواته البرية، وتمتعت بعلاقات متينة مع الولايات المتحدة، حصلت بموجبها على امتيازات، لكنّها كانت مضطرة أيضاً لتقديم الكثير للحفاظ على هذه العلاقة.
واشنطن أثبتت مجدداً أنّها طرفٌ غير موثوق، وبدا واضحاً أن صنّاع القرار في الولايات المتحدة مستعدون للقيام بأي شيء يضمن ولاء تركيا للمحور الغربي، فحين بدأت أنقرة تظهر انفتاحاً أكبر على بناء شراكات متنوعة، كانت واشنطن مستعدة للتخطيط لانقلاب عسكري للإطاحة بالنظام القائم، لكن هذه المحاولة فشلت في 2016 ما فتح باباً واسعاً للتصدعات اللاحقة في العلاقة الثنائية بين البلدين. فالانقلاب الفاشل تحوّل سريعاً إلى أزمة ثقة عميقة بالولايات المتحدة، ففي آب 2016 قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، موجّهاً حديثه للمسؤولين الأمريكيين: «بدلاً من أن تشكروا هذه الأمة التي أخمدت الانقلاب باسم الديمقراطية، فأنتم، على العكس، تقفون إلى جانب الانقلابيين». أما الوزير التركي سليمان صويلو الذي جرى تعيينه وزيراً للداخلية عقب محاولة الانقلاب مباشرةً فلم يكتف بالإشارات الخجولة، بل اتهم واشنطن بشكلٍ مباشر بالمسؤولية عن محاولة الانقلاب، وقال «من الواضح أن أمريكا هي التي تقف وراء 15 تموز (محاولة الانقلاب). وفيتو (إشارة إلى حركة غولن) نفذت أوامرهم».
هذه الأزمة العميقة سرّعت من التوجه التركي الجديد، وحولته إلى ضرورة للأمن الوطني التركي، فاتجهت تركيا لتطوير سريع لعلاقاتها مع روسيا، وصل إلى حد شراء منظومة دفاع جوي متطورة منها رغم الاعتراض الأمريكي، وكل عواقب هذا القرار. وعملت تركيا، أكثر من أيّ وقتٍ مضى على تدعيم موقعها ضمن الشرق بوصفها قوّة أساسية فيه، واتجهت لبناء شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية مع أطراف متعددة، وكان هذا حجر الأساس في التوجّه الاستراتيجي القائم على تصفير المشاكل مع دول المنطقة مثل إيران ومصر والسعودية، وبالرغم من أن إنجاز كل هذا احتاج سنوات، إلا أن حجم التحول التركي خلال هذا المقطع الزمني كان يجري بأقصى سرعة ممكنة.
وإلى جانب كلّ هذا لا ينبغي إغفال أن النشاط الأمريكي في سورية شكّل تهديداً صريحاً بالنسبة لأنقرة، وتحديداً بسبب العلاقات الوثيقة التي جمعت بين «قوات سورية الديمقراطية» وواشنطن التي ضخّت الأسلحة وكل أشكال الدعم، ما أدى إلى بناء قوّة عسكرية كردية على الحدود مع تركيا التي رأت في السلوك الأمريكي مقامرة جديدة في الاستقرار الداخلي التركي ومحاولة لزعزعة الاستقرار، وهو ما رسخ نشاط تركيا في مجموعة أستانا الثلاثية التي ضمت تركيا وروسيا وإيران وطالبت بشكلٍ متكرر بإخراج القوات الأمريكية من المنطقة.

 


باكستان حالة فريدة


إن تحليل الموقف الباكستاني من الولايات المتحدة الأمريكية يتمتع بأهمية خاصة، فباكستان ارتبطت خلال فترة طويلة بالمشروع الغربي، ويرى عددٌ من الباحثين أن تطور باكستان العسكري كان مرتبطاً بالتغطية الغربية المباشرة، وتحديداً في فترة الصراع مع الاتحاد السوفييتي، لكن أهمية المثال الباكستاني يكمن في أنّه الأنضج إذا ما أردنا الحديث عن الانفكاك عن الولايات المتحدة، فإسلام أباد ورغم كل العلاقة المتداخلة والطويلة مع الولايات المتحدة بدأت تدرك باكراً أن فاتورة علاقتها مع واشنطن باتت تشكّل استنزافاً حقيقياً لها، ولم تقدّم هذه العلاقة إلا الحروب وحالة مزمنة من عدم الاستقرار، إلى أن بدأت إسلام أباد تطوير علاقاتها مع الصين، عبر سلسلة من اتفاقيات الشراكة مثل الحزام والطريق والممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني ثم لاحقاً تطور هذا التعاون ليأخذ أشكالاً أوسع وتحديداً في الجانب العسكري-الأمني مثل انضمام باكستان إلى منظمة شنغهاي في 2017 إلى جانب صفقات تسليح مع الجانب الصيني، كل هذا دفع باكستان إلى طريقٍ جديدة ويبدو أنّها حققت تقدماً أكبر في الانفكاك عن واشنطن، فرغم أن الأخيرة لا تزال تملك أدوات للضغط داخل باكستان، إلا أن إسلام أباد أظهرت في عددٍ من المناسبات استقلالية كبيرة مدعومة بشراكة عميقة وراسخة مع الصين أمّنت لباكستان شرايين حيوية ومجالاً أوسع بكثير للحركة.
ففي الوقت الذي بدأت تركيا بالاعتماد على شركات جديدة في مجالات التسليح، وتدرس السعودية اتجاهاً مشابهاً، نرى أن باكستان اعتمدت خلال الفترة بين 2020 إلى 2024 على الصين كمزود أساسي للسلاح، إذ احتلت الأسلحة الصينية في تلك الفترة نسبة 80% من إجمالي الأسلحة في باكستان، وتشير التقديرات إلى أن هذه النسبة ارتفعت لاحقاً، بينما كان الجيش الباكستاني يعتمد بنسبة تقارب 100% على المعسكر الغربي طوال فترة الخمسينيات والستينيات. فباكستان من هذه الناحية أنجزت تحوّلاً استراتيجياً حقيقياً وشبه ناجز في ميدان التسليح انتقلت فيه من المظلة الغربية إلى مظلة الشرق والصين تحديداً.


القواسم المشتركة الحقيقية


إن تحديد موقف الدول الثلاث من الولايات المتحدة لا يمكن بحالٍ من الأحوال حصره فقط فيما سبق، لكننا شهدناً تحولاً تاريخياً باكراً في باكستان، ثم خطوات طموحة لهذا التحوّل في تركيا، إلى جانب مسعى جدي في السعودية، ومن هذه الزاوية بالتحديد، يظهر اتفاق مكّة لا بوصفه «صاعقة مفاجئة» بل هو نتيجة طبيعية لاتجاه قائم ويتوسع منذ سنوات، واستجابت هذه الدول الثلاث لخطرٍ حقيقيٍ يهدد أمنها الوطني، لكن التفكير الجدي لا يشير إلى إيران بقدر ما يشير إلى أن الخطر اليوم متمثل بشكلٍ واضح بحالة عدم الاستقرار الخطرة التي تتحمل كل من واشنطن وتل أبيب المسؤولية المباشرة عنها، وإن هذا التوجّه يؤكد فعلياً المسعى الثابت لأطراف اتفاق مكة لإيجاد مظلة أمنية إقليمية بعيداً عن المظلة الأمريكية، وهم بالتأكيد ينظرون بقلق حقيقي للسلوك «الإسرائيلي» وتحديداً في الرياض وأنقرة، فرغم وجود خلافات مع إيران إلا أن التفاهم كان دائماً خياراً مطروحاً على الطاولة، بل وقابلاً للتحقيق، بينما يظهر الصراع مع «إسرائيل» بوصفه مشكلة مزمنة لا يمكن حلّها بالطرق الدبلوماسية التقليدية.

كتلة منفصلة


المشكلة الكبرى في تفسير دوافع اتفاق مكّة ترتبط إلى حدٍ كبير بأن من يحاول تفسيره ينطلق غالباً من إحداثيات تعود إلى عقودٍ خلت، ولا يمكن الركون إليها إطلاقاً في تحليل قضايا كبرى كهذه، فالولايات المتحدة التي تتراجع كلّ يوم وتخسر أدواتها في الهيمنة، هي نفسها أعلنت أنّها غير قادرة على أداء دور «الشرطي». وإن مراقبة ما جرى في حرب إيران الجارية، كفيل بأن يترك انطباعاً بأن الاعتماد على واشنطن هو ضربٌ من الجنون، ولذلك وبالنظر إلى الاتجاه العام الذي تتطور فيه الأمور ستجد دول المنطقة نفسها أمام استحقاق حقيقي يضمن لها مصالحها، وتحديداً تلك المصلحة الأساسية في الحفاظ على النفس. والأهم أن هذا الاتجاه يأخذ بالتسارع، ولذلك يبدو وضع اتفاق مكّة ضمن سياقه مسألةً مهمة، لا لفهم ما جرى وحسب، بل لفهم ما سيجري لاحقاً، فالتفسيرات القاصرة التي لا تستطيع فهم التطور ستكون عاجزةً كلياً عن فهم كل التطورات اللاحقة نظراً لأنّها تنطلق من مقدمات خاطئة، فإن النظر إلى اتفاق مكّة بوصفه «بلوكاً سنياً» أو أداة بيد وشنطن ليس مجرّد قراءة سطحية بل قراءة عاجزة عن تفسير كيف يمكن أن تتلقّى إيران دعوة للإنضمام إلى هذا التحالف؟ أو كيف يمكن أن يؤسس «اتفاق مكّة» لمرحلة جديدة من تاريخ المنطقة لا تكون فيها الولايات المتحدة الآمر الناهي! أو حتى إدراك أن «إسرائيل» ضمن هذا المشهد الشامل تخسر بذلك الشرط الأساسي لبقائها!