Skip to main content

لكيلا تتكرر الأسئلة...

 |  إيمان الذياب   |  ثقافة

في كل مرة تظهر فيها مشكلة ما، هنا أوهناك، يجد السوريون أنفسهم أمام مجموعة من الأسئلة القاسية التي تحتاج الإجابة. يتكرر كثير من هذه الأسئلة، لدرجة تبدو معها مستعصية عن الحل، بينما هي في واقع الحال لم تعثر على الإجابات الصحيحة بعد. 

تشهد البلاد عموماً تصاعداً مستمراً من التوتر الأمني وعدم الاستقرار. وقد حلّت العاصمة دمشق في المرتبة الأخيرة عالمياً، وحصلت على أدنى تقييم لها في محور «الاستقرار والأمن» وفقاً لـ مؤشر قابلية العيش العالمي لعام 2026 الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية لمجلة «إيكونوميست” (EIU). ويقيس هذا المعيار المخاطر الأمنية، ومعدلات الجريمة، والنزاعات، والاضطرابات المدنية. ويعتمد هذا التصنيف السنوي على تقييم 173 مدينة حول العالم عبر خمسة محاور رئيسية، تتضمن الاستقرار والرعاية الصحية، والثقافة والبيئة، والتعليم، والبنية التحتية. 
يعيش السوريون التفاصيل المباشرة لسوء الوضع المعاشي والاقتصادي من جهة، وسوء الوضع الأمني واستمرار تصاعد التوتر والخوف والقلق من جهة أخرى. وتتقلص الفترات الزمنية شيئاً فشيئاً بين مشكلة وأخرى، في حلقة مفرغة، تتكرر فيها مشاكل عميقة، يجري تأجيلها ومراكمتها دون حلول فعلية، والأسوأ من ذلك، محاولات التعمية عنها وتصديرها إعلامياً وتصويرها طائفياً ومناطقياً وقومياً...الخ. لتعود الدائرة وتستمر مواجهة أسئلة تتكرر بلا انقطاع ما دامت إجاباتها الصحيحة غائبة. 


تحليلات جزئية


ثمة مشكلة في فهم ما يحدث عند الكثيرين، فيعتمد البعض في تحليله لأسباب تصاعد التوترات بما يراه ظاهرياً، وقد يكون بعضه صحيحاً جزئياً، دون البحث في عمقها، فتراه ينسبها «للفلول» وسعيهم تعكير صفو «الإنجازات» والتشويش على «أحداث» يعتبرها «تاريخية»، وآخرون ينسبونها إلى «الفشل الأمني»، وبناءً على هذه التحليلات ومثيلاتها تبدأ حملات توجيه الاتهامات يميناً وشمالاً، بشكل عشوائي واعتباطي، وتزداد معها ردود الأفعال المعاكسة لتزيد الطين بلة.  
لا يمكن لأحد أن ينكر وجود عناصر منفلتة، أو وجود جهات معينة تتلاعب بالعديد من القضايا الشائكة في البلاد، أو وجود هشاشة أمنية، أو غيرها. إذ تحصل مثل هكذا خروقات في أغلب دول العالم.  ولكن ثمة ضرورة لفهم الجذور العميقة لمفاهيم الأمن والأمان، ليس كحالة مجردة بل كبنية متكاملة اقتصادية وسياسية واجتماعية وأخلاقية وثقافية...الخ.


تجفيف المنابع


 تؤكد العلوم السياسية، وعلوم الاجتماع، العلاقة الطردية بين الأمن المستدام من جهة، والعدالة والمشاركة من جهة ثانية.  والعدالة هنا لا تختزل بالعدالة القضائية، بل تتعداها إلى العدالة الاقتصادية والاجتماعية (عدالة في التنمية وتوزيع الثروات) والمشاركة السياسية في صنع القرار، إضافة إلى حرية الرأي والنقد البناء، بحيث تجعل المواطن فاعلاً لا متفرجاً. وبحيث يتحقق الأمن المستدام بوصفه: «حالة مجتمعية تكون فيها مناعة الدولة والمجتمع من أي تهديدات ذاتية التوليد، وبحيث لا يحتاج الحفاظ عليها إلى استنفار استثنائي، أو تضحيات غير مبررة، وذلك بفضل بناء منظومة اجتماعية وقيمية ومؤسسية متينة، تضمن استمرار الأمن بجهد عادي ومستدام.» 
يصبح الأمن هنا بنية متكاملة، تبدأ أولاً بالمواطن، عندما يشعر أنه شريك بالبلاد وليس متهم فيها، كما تبدأ بتأمين الحقوق والحريات، ونزع المظلوميات، فعندما تضيع حقوق المواطن وتكثر مظلومايته، وينطفئ بداخله الشعور بأنه محصن مما ينتج عنه خلل هيكلي يسمح بالاختراقات والتلاعب، وقد يصل به الأمر إلى الشماتة بكل مشكلة، أو مأساة تصيب الآخرين، ممن يشاركونه البلاد، بدلاً من التضامن والتعاون لحل المشكلة. فالأمن المستدام لا يبنى بعقلية اللون الواحد وتخوين المعارض وإقصاء المختلف. فهو ظاهرة مركبة، تتجاوز الإجراءات الردعية والزجرية إلى منظومة قيمية واجتماعية ونفسية مجتمعية متكاملة، جوهرها الإنسان وعلاقته بوطنه ومجتمعه. فكلما اتسعت مساحة الحقوق، تضاءلت دوافع العنف، وكلما شعر الفرد بالإنصاف، ارتفعت درجة استعداده للدفاع عن المنظومة. وكلما نُزعت المظلوميات، جفَّ منبع الاحتقان الذي يغذي عدم الاستقرار.


لا تنمية بدون عدالة والعكس صحيح 


هنا تبرز أهمية الترابط بين العدالة الاجتماعية والتنمية، وضرورة تجاوز النظرة التقليدية التي تختزل التنمية في مجرد نمو اقتصادي بحت. فالتنمية الحقيقية هي توسيع لحريات الناس وقدراتهم، إذ لا يمكن لأي خطة تنموية أن تنجح في بيئة تعاني من التهميش أو الظلم. العدالة تمنح التنمية (الشرعية) في عيون المواطنين. عندما يشعر الناس أن ثمار التنمية (الوظائف، الخدمات، البنية التحتية.. الخ) توزع بعدل، فإنهم يلتزمون بها ويدافعون عنها. أما التنمية التي تقوم على تهميش فئة، أو إقصاء منطقة جغرافية، فهي تخلق احتقاناً يهدد استقرار المجتمع ويعرقل المشاريع المستقبلية.
وحتى عندما تحقق التنمية أرقاماً قياسية في الناتج المحلي، لكنها تبقي على الفجوة بين الأغنياء والفقراء أو تزيدها، غالباً ما تفشل في نهاية المطاف. 
تُقاس التنمية الحقيقية بقدرتها على تقليص الفوارق، وتوفير «أرضية متساوية» للجميع في التعليم والصحة، لأن تمتع الفرد بحياة كريمة هو الهدف النهائي للدولة.
العلاقة بين العدالة الاجتماعية والتنمية عضوية وليست إضافية. التنمية بدون عدالة تؤدي إلى مجتمعات مستقطبة. والعدالة بدون تنمية هي مجرد شعارات أخلاقية، لا تستطيع توفير الخبز للمواطن. ولا يمكن لها أن تحقق نتائج دون مراعاة البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي (العدالة) والبعد البيئي معاً. تكون عادلة في وسائلها، وعادلة في غاياتها، وعادلة في توزيع نتائجها.