أهمّية تكوين العادات وتغييرها في علم التربية
تحتلُّ العاداتُ أهميةً كبرى في علم التربية، سواء في اكتسابها وترسيخها أو في تغييرها. ويمكن تعريف «التمرين» أو «التدريب» بأنّه العملية التي يتحوًّل من خلالها فعلٌ معيَّن إلى «عادة» ويكتسب خصائص الأداء التلقائي. والسلوك نفسه نمط خاص لتنظيم ردود الأفعال. وبحسب عالِم النفس والتربية ليف فيغوتسكي، فإنّ من أهمّ القواعد التربويّة إيلاءُ اهتمامٍ خاصّ بعمليّات التدريب لاكتسابِ عاداتٍ معيَّنة.
ليف فيغوتسكي
تعريب وإعداد: د. أسامة دليقان
ينبغي النظر إلى عملية التدريب ليس كمجرد ذاكرة بسيطة، بل كخلقٍ للميول والاستعداد للتنفيذ الأمثل لهذا الفعل أو ذاك. ولا تنحصر العادات والتمرُّن عليها في نوع واحد من النشاطات، بل تشمل العمليات الجسدية والذهنية معاً. ومن زاوية معيّنة يمكن الحديث عن التدريب بوصفه نوعاً من «الذاكرة». ولا يُقصَد بالتدريب الاحتفاظُ بانطباعات الفرد، بل تيسير الاتجاه العام لنشاطه، وخلق «مساراتٍ» تصبح مطروقةً ومُيسَّرة بالنسبة للفرد.
بحسب فيغوتسكي، أثبتت الأبحاث التجريبة بأنّ التدريب يتطوّر ببطء في البداية، ومن ثمّ يتسارع الأداء، بشكل قفزات أو دفقات. فالتدريب يحرِّضُ تغييراً معيَّناً في المواقع النسبية للجزيئات في الدماغ. وفي كتابه «علم النفس التربوي» (1926)، يستشهد فيغوتسكي بمؤسس علم النفس الأمريكي ويليام جيمس، بأنّ «الشيء العظيم في كلّ تربية هو أنها تجعل جهازَنا العصبيّ حليفَنا بدل أن يكون عدوَّنا... ولذلك يجب علينا في أبكر وقتٍ ممكن أن نحوِّلَ أكبرَ عدد ممكن من أفعالنا إلى أفعالٍ تلقائية واعتيادية، وعلينا، بالمستوى نفسه من الحِرص، أن نردعَ نموّ العادات السلبية. وكلّما استطعنا تسليمَ المزيد من تفاصيل حياتنا اليومية إلى آلياتٍ أوتوماتيكية اعتيادية وبلا مجهود، كلّما استطعنا تحريرَ قوى عقلنا العُليا لكي تتفرّغ إلى عملها النوعيّ الخاصّ».
ويعيد فيغوتسكي التشديد على ما ذكره جيمس حول التأثير العميق والدائم للعادات في حياتنا، ممّا يمنحها أهمّية تربوية حاسمةً:
«لو أدركَ الشباب كم سيصبحون قريباً مجرَّد أكوام من العادات، لأمعنوا النظرَ في سلوكهم في هذه المرحلة العمريّة المَرِنة. فنحن نغزل مصائرَنا بأيدينا، خيراً كانت أم شرّاً، ولا يُمكِنُ إرجاعها مطلقاً. كل خطوة، مهما كانت صغيرة، من الفضيلة أو الرذيلة، تترك أثرَها. في مسرحية جوزيف جيفرسون، أحد شخوصها (ريب فان وينكل) يبرِّرُ لنفسه كلَّ تقصيرٍ جديد بالقول: (هذه المرّة غير مُحتَسَبة!). حسناً، قد لا يحسبها هو، وقد لا يحسبها الله، لكنها تُحسَبُ على أيّ حال. ففي أعماق خلاياه وأليافه العصبية، تحسبها الجزيئات، وتسجّلها، وتخزّنها لتُستخدَم ضدَّه عند أوَّل إغراء. لا شيء مما نفعلُه، حرفياً، يُمحَى تماماً».
ويتناول فيغوتسكي قولَين مأثورَين شعبياً، أحدهما يكرِّرُ أنّ «كلَّ شيء زائل» والآخر أنّ «لا شيء يمر مرور الكرام»، فيعلّق عليهما من منظور ديالكتيكي بأنّ «كل شيء زائل» صحيح من حيث أنّ كل حركة متكررة – ولأنه سبقتها حركة أولى – تكون قد فقدت شيئاً واكتسبت شيئاً جديداً، وصحيحٌ بالمقابل أيضاً أنّ لا شيء يزول تماماً، لأنّ كل شيء يترك أثراً في الحاضر والمستقبل.
ويتابع فيغوتسكي: «وفقاً لهذا القانون، يُدرِك أيُّ مُربٍّ عظمةَ وأهميةَ حتى أبسط الأفعال حين تُصبح عادةً. فإيماءةٌ عابرة، أو حركةٌ عفوية، أو مزحة بريئة، حتى لو حدثت مرة واحدة فقط، تترك أثراً في الجهاز العصبي، وقد يكون هذا الأثر غير محسوس لنا، ولكنه سيكون محسوساً لعضويّتنا [لجسمنا].
القواعد الخَمس في تربية العادات
يناقش ويليام جيمس خمس قواعد لتنمية العادات، وضعَها عالم النفس (ألكسندر بين) في حديثه عن العادات الأخلاقية، وأعاد فيغوتسكي التشديد على أهمّيتها.
1– احشد كلَّ الظروف الممكنة التي تُعزِّزُ الدوافعَ الصحيحة؛ ضعْ نفسَك بجدٍّ في ظروف تُشجِّعُ على اتباع النهج الجديد.
2– لا تسمحْ بحدوث أيِّ استثناء حتى تترسَّخَ العادةُ الجديدة في حياتك. كلُّ مرّة تتراخى فيها عن الالتزام، تُشبه انحلال خيطٍ كنتَ تُلفُّه بعناية؛ إفلاتٌ واحدٌ يُفسِدُ أكثرَ مما تُعيدهُ لفّاتٌ كثيرة. استمراريةُ التدريب هي الوسيلة الأمثل لجعل الجهاز العصبي يعمل بشكل صحيح لا تشوبه شائبة.
3– اغتنمْ أوَّلَ فرصة ممكنة لتنفيذ كلّ قرار تتخذه، ولكل دافع عاطفي قد تشعر به تجاه العادات التي تطمح لاكتسابها. إنّ التصميم والطموح لا يؤدّيان إلى ترسيخ العادةَ في الدماغ في اللحظة التي يتشكّلان فيها، بل في اللحظة التي يُحدِثان فيها آثاراً حركية. لا تترسخ فينا نزعة العمل إلا بقدر تكرار حدوث الأفعال دون انقطاع، وينمو الدماغ ليُصبح مُتكيفاً معها. عندما يتلاشى العزم أو يتلاشى شعورٌ جميل دون أن يُؤتي ثماراً عملية، يكون الأمر أسوأ من مجرَّد ضياع فرصة؛ إذْ إنّه يُعيقُ العزمَ والمشاعرَ المستقبلية عن اتخاذ مسارها الطبيعي. لا يوجد نوعٌ من الشخصيات البشرية أكثر حقارةً من كسولٍ حالِمٍ واهِن الأعصاب، يقضي حياته غارقاً في بحرٍ من المشاعر، دون الإقدام على أيِّ عملٍ شُجاعٍ ملموس.
4– لا تُكثِرْ من إلقاء المواعظ، ولا تُسهِب في الكلام المُجرَّد.
5– حافِظ ْعلى جذوة العمل متّقدةً، ولو من خلال تدريبٍ بسيطٍ يومياً. أيْ، كنْ «بطلاً» بشكلٍ منهجي ولو في أمورٍ صغيرةٍ؛ افعلْ شيئاً يتّسم بالتحدّي أو الصعوبة كلَّ يوم أو يومين، حتى إذا ما حانت ساعةُ الحاجة المُلحّة، تجدكَ مستعداً ومُهيَّأً للمواجهة.
أهمّية «التعب» فيزيولوجياً ونفسياً
حتى الدراسات الفيزيولوجية البحتة تُظهر مدى أهمية تكرار الأفعال والتعب المصاحب لهذا التكرار في سير سلوكنا المعتاد. ويتضح أن التكرار مرتبط بتأثيرِ أهمّ آلياتنا العصبية على الإطلاق، ألا وهي الصراع على كامل المجال الحركي. ويعدّد شيرينغتون (عالم الفيزيولوجيا والأعصاب البريطاني الشهير) أربعةَ عوامل تحدّد نتيجة هذا الصراع. فبالإضافة إلى القوة النسبية للمؤثرات المتنافسة والتأثير العاطفي على ردود الفعل، يشير إلى التعب الذي يراه ذا تأثير مزدوج.
أولاً، يؤدي التعب إلى إضعافِ ردّ الفعل المهيمن على مجالنا الحسي الكلّي؛ «بمرور الوقت، يفقد رد الفعل، من تلقاء نفسه، القدرة على الحفاظ على علاقته بهذا المجال». من الواضح أن التعب لا يقتصر على عضو عامل واحد، بل يشكّل «تكيُّفاً مناسباً»، أيْ هيمنةً استثنائية طويلة الأمد لردّ فعلٍ معيَّن طوَّرَهُ الجهازُ العصبي؛ «لكي ينجح الكائن الحي في بيئة متعددة الجوانب، يجب أن تكون ردود أفعاله متعددة الجوانب أيضاً. لولا ما يسمى بالتعب، لكان بإمكان الكائن الحي [...] أن يطوّر عَيناً، أو أذناً، أو فماً، أو يداً، أو ساقاً، لكنه لن يطوِّر على الأرجح تلكَ المجموعة الرائعة من جميع أعضاء الحس المتنوّعة التي يمتلكها بالفعل».
ثانياً، التعب يُسهِّلُ ظهورَ مُنعكسٍ جديدٍ مضادٍّ لُمنعَكسٍ سابق كان يشتغل لفترة طويلة، بل ويضخّمه. يشير شيرينغتون إلى هذه الظاهرة باسم «الحثّ النخاعي»، قياساً على ظواهر مماثلة في عضو البصر، والتي أطلق عليها هيرينغ اسم «الحثّ البصري».
وهكذا، نرى أنه إلى جانب الفائدة البيولوجية للأفعال الاعتيادية، والتي يمكننا فهمها على أنها ردود فعل نمطية مناسبة للمحفّزات الموحَّدة والمستقرّة والثابتة إلى حد ما، التي تصل إلينا من البيئة، فإنَّ الجهازَ العصبي لديه آليةٌ أخرى لا تقلّ أهمية من الناحية البيولوجية، ولكنّها نقيضُها تماماً، من حيث المعنى والمغزى، وهي آلية التُّعب، التي تتمثل وظيفتُها في كسرِ العادات، وإغلاقِ المسارات العصبية للعادة، وتسهيل ظهور ردود فعلٍ جديدة.
إنّ ضرورة كلا الآليَّتَين [الارتياح على عادة والتعب من عادة] بديهية تماماً. فلو لم تكن هنالك عادات، لكان ذلك سيؤدي إلى نمطٍ سلوكيّ غير اقتصاديّ على الإطلاق. تذكَّروا أنَّ كلَّ فعلِ تفكير، أي كلَّ فعلٍ سلوكيٍّ غير اعتيادي، وكلَّ تكيُّفٍ مع ظروفٍ جديدة، وكلَّ ابتكارٍ أو إبداعٍ لردود فعل جديدة، ينشأ حتماً من صعوبة، ويسبقه تأخيرٌ متفاوت في مدّته؛ أيْ توقُّفٌ تامٌّ للحركة [السكون النسبيّ الضروري للتمايز]. الحيوان الذي لا يمتلك عادات ولا يستخدم هذا النمط من السلوك سيواجه صعوبات في كل شيء، ولن يتفاعل مع شيء إلّا بعد فترة من التأخير.
من ناحية أخرى، لو لم يكن هناك تعب، لما كان هناك صراعٌ على المجال الحركي الكلّي، ولا انتقالاتٌ في هذا المجال من مستقبِلٍ إلى آخر، ولكان اختفى كلُّ التنوع الوظيفي لتكيُّفات الحيوان مع البيئة، وحلَّ محلَّه ردُّ فعلٍ موحَّد وتلقائيّ. ويختم فيغوتسكي هذه الفكرة بالقول: «إنَّ التناقضَ الديالكتيكيّ والعلاقة بين الآليَّتَين يتوافقان تماماً مع القانون العام لتطوُّر المادّة الحيّة».