تشهد أرباح الشركات المدرجة عالمياً اليوم ارتفاعاً هائلاً. ولا نجد نظيراً لها إلا لدى «ملوك السرقة» الأمريكيين في القرن التاسع عشر، أو لدى عمالقة الإنترنت وشركاتهم الفرعية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، وما تتنبأ به الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي من أرباح أكثر إذهالاً، بفضل استثمارات تفوق الناتج المحلي الإجمالي لدول كثيرة. وقد بلغ الأمر أن بعض خبراء الذكاء الاصطناعي، دون أن يشككوا في هذه الأرباح، صاروا يخشون عواقبها الاجتماعية.
طوني أندرياني بتصرف
لكن من أين تأتي هذه الأرباح الخارقة؟ هذه النقطة وحدها تكفي لبطلان الاقتصاد الكلاسيكي الجديد، لأن الأجر «العادل» لعوامل العمل ورأس المال يقتضي أن يكون الربح صفراً. والأهم أنها تبدو وكأنها تنقض نظرية ماركس في أن الربح يولده العمل، بحجة أن العمل يتراجع أمام الروبوتات والذكاء الاصطناعي. لكن الحقيقة عكس ذلك تماماً، بشرط فهم ماركس وتحليل الأشكال الجديدة للرأسمالية.
رأسمالية المساهمين
لفت ماركس الانتباه إلى الثورة التي أحدثتها الشركات المساهمة: لم تعد الرأسمالية إدارية فقط بل صارت جماعية. وظل كبار الشركات ذوو القاعدة المساهمة الواسعة يتعايشون مع شركات صغيرة. ثم هيمن المستثمرون الأقوياء وطالبوا بعوائد أعلى، فاستولى التمويل على السلطة.
تغيّر بنية رأس المال: شركات قابضة تسيطر على سلسلة من الشركات التابعة، وتوسع التعهيد الخارجي. وفي الشكل الكلاسيكي كانت الأرباح الخارقة أرباح احتكارات قليلة، لكنها ليست احتكارات مطلقة بل تتنافس بضراوة. وتستطيع هذه الاحتكارات القليلة زيادة أرباحها بانتزاع أكبر قدر من شركاتها الأكثر ربحية، ومن متعهديها. لكن مع الرأسمالية الرقمية تنطلق الأرباح فعلاً.
الرأسمالية الرقمية
الجديد فيها أنها رأسمالية المنصات، تعمل عبر شبكات حاسوبية. ومع أن كل الشركات تستخدم هذه الشبكات، فإن أكبرها يستخدمها بكثافة أوسع، فيوفر في العمل المأجور، وهذا التفوق التقني مصدر أرباح أعلى. لكن الحالة الأهم هي شركات التقنية نفسها، بما فيها شركات الذكاء الاصطناعي. فمن أين تأتي أرباحها الهائلة إذا كانت تستخدم عملاً أقل؟ ألا يناقض ذلك قانون انخفاض معدل الربح؟ لا، لأن هناك «تيارات مضادة» بعضها تلقائي وبعضها نتيجة سياسات مقصودة:
1. انخفاض قيمة رأس المال الثابت بفعل التقدم التقني والعولمة، وارتفاع نسبة رأس المال المتغيّر، مما يرفع معدل الربح. والرأسمالية الرقمية تستفيد من الأتمتة والكهرباء والمواد الأولية المستوردة الرخيصة.
2. تمديد العمل وتكثيفه بالأجر نفسه، عبر سياسات النيوليبرالية وإدارة العمل الجديدة، بما يشمل المهندسين والمديرين.
3. البطالة التي تصنع «الجيش الاحتياطي الصناعي» وتضغط على الأجور.
4. ضغط الشركات الكبرى على الحكومات لخفض «تكاليف العمل» والضرائب وتقديم الدعم، مع التهرّب الضريبي.
5. الأمولة التي أبعدت المساهمين عن موقع العمل وكسرت مقاومة العمال والنقابات، ورفعت سيطرة صناديق مثل بلاك روك وفيديليتي.
العمل الخفي
في الرأسمالية الرقمية، العمل الخفي هو أولاً عمل «عمال النقر»: من يقدّمون البيانات مجاناً لأرباب عملهم، مثل سائقي أوبر وعاملي توصيل أمازون، ومن يعملون لدى شركات التقنية في وسم الصور وتدريب النماذج، بأجور زهيدة، ويقدر عددهم بنحو 185 مليوناً. لكن هذا وحده لا يفسر الربحية الخارقة. يلزم النظر إلى المستخدمين الذين يقدمون عملاً مجانياً كلما دخلوا الإنترنت، من بيانات شخصية وسلوكية وصحية ومعرفية. وقد يقال إن هذا ليس عملاً لأنه اختياري، لكنه إلزامي عملياً، كما في شراء تذكرة قطار لم يعد ممكناً إلا عبر الإنترنت. وحتى البيانات المحمية في أوروبا بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات تضعف عبر الحدود والقرصنة. وتلتقط الكوكيز البيانات، ويبيعها الوسطاء، وتغذي الإعلان، ثالث أكبر قطاع اقتصادي بعد الكهرباء والزراعة. ولا يفلت أحد إلا عبر الشبكات الافتراضية. ويقدر عائد المستخدم الأوروبي بـ1,381 يورو سنوياً و224,223 يورو مدى الحياة، وفي الولايات المتحدة 5,600 دولار سنوياً و716,000 دولار مدى الحياة. وهكذا تفلت شركات التقنية من تعادل معدلات الربح.
ما بعد الرأسمالية
يرفض الكاتب تفسير «الإقطاعية التقنية» بأن الأرباح ريع. فالفضاء الرقمي تنافسي، والبيانات ليست سلعة مادية. الرأسمالية تقوم على الربح من العمل غير المدفوع، لا على الريع. إنها شكل مفرط من الرأسمالية.
الخلاصة
ليست الأرباح الرقمية مفاجئة؛ حيث يقل العمل الظاهر يكثر العمل الخفي. الرأسمالية الرقمية شكل جديد من الاستغلال يمتد إلى المستخدمين. وفي نظام آخر، يقل العمل داخل الشركة، وتُستخدم الأرباح للاستثمار لا لجيوب المساهمين، وتُجمع البيانات الضرورية فقط، وتمنع المراقبة الجماعية، وتصبح كبرى شركات التقنية مؤسسات عامة، ويُدفع لعمال النقر أجر عادل، ولا يخلق العمل الرقمي استغلالاً.