Skip to main content

حلم سوريّ مشترك

 |  قاسيون  |  ثقافة

قد يبدو الجدل الذي رافق حفل أصالة في دمشق أكبر من مجرد نقاش حول مطربة وحفلة وأسعار تذاكر، لأن ما حدث في الحقيقة يلامس شيئًا أعمق في حياة السوريين، ويكشف حاجة أعمق، بعد سنوات طويلة من الحرب والتمزق والقهر والحرمان، الحاجة إلى استعادة إيقاع جماعي للحياة، وإلى أن يقولوا من دون خطاب سياسي: ما زال بيننا ما يجمعنا.

لا يحنّ السوريون اليوم إلى الغناء فقط، بل يحنّون إلى معنى يحاولون أن لا يفقدوه؛ أن يكونوا جماعةً تتسع لاختلافهم، لا ساحةً تجعل من الاختلاف سبباً للعداء. فبعد سنوات طويلة تحوّلت فيها الهويات السياسية والطائفية والمناطقية إلى 
جدران تفصل السوري عن السوري، تبدو الحاجة إلى انتماء جامعٍ أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وهنا تكتسب الثقافة أهميتها؛ لأنها لا توحّد الناس عبر التشابه، بل عبر الرموز والإشارات المشتركة التي تستدعي ذاكرةً تتجاوز الانقسامات. أغنية، طبق من مطبخ مدينة بعيدة، مثل شعبي، صورة لحيّ قديم لم تدمره الحرب، اسم فنان، حكاية جدّة، أو حتى طريقة في الاحتفال والفرح؛ كلها تبدو تفاصيل صغيرة، لكنها تحمل في داخلها معنى أكبر؛ نحن ننتمي إلى قصة واحدة، حتى لو اختلفت رواياتنا عنها.

لم يكن الجدل الذي رافق حفلة أصالة جدلًا حول أصالة وحدها، ولا حول قيمة الحفلات في بلد لا تزال أزماته الاقتصادية والاجتماعية تثقل حياة الناس. على الرغم أن هذاما يبدو عليه الظاهر، بل ثمة ما هو أكثر عمقًا؛ فالحفل المذكور في أحد جوانبه، يمثّل نوعاً ما إشارة ثقافية والجدل المرافق لها وطريقة تفاعل السوريين معها مؤشر على ليس على طاقة كامنة لديهم فقط، بل ورغبة في إطلاق طاقتهم تلك أمام كل ما يواجهونه اليوم. 
فمن جهة يمكن فهم الفرح الذي غمر بعضهم إما بالحضور أو حتى مجرد متابعة الحدث ليس لسبب أن أصالة مطربة استثنائية بالنسبة إليهم، بل لأنهم وجدوا أنفسهم فجأة داخل مشهد يشبه الحياة التي حُرموا منها طويلًا؛ آلاف الناس مجتمعون، موسيقى، أضواء، أصدقاء، ملابس جميلة، أحاديث وضحكات، وإحساس عابر بأن الزمن يتحرك من جديد. كان الحفل، بالنسبة إلى بعضهم، أقل أهمية من الشعور الذي أنتجته: «نحن ما زلنا نعيش».
من جهة أخرى ثمة من أراد توظيف الحدث سياسياً لخدمة السلطة، وآخرون أرادوا توظيفه ضدها أيضاً وهو ما ظهر واضحاً في حالة التراشق الإعلامي بين الطرفين، ولكن الغالبية الساحقة من السوريين لمسوا الإشارة الثقافية التي مثلها كل هذا الضجيج.
 غالباً ما تكون الإشارة الثقافية أعمق من كونها رمزاً أو علامة نتعرف إليها؛ إنها طريقة تختزن بها الجماعة ذاكرتها وتستعيد بها شعورها بذاتها. فالأغنية، والمثل، والطبق، واللهجة، والطقس الاجتماعي، وصورة المكان، وحتى طريقة الناس في الفرح والحزن، ليست أشياء محايدة، بل إشارات تحمل وراء ظاهرها طبقات من المعنى والانتماء.
الإشارة تصبح ثقافية حين يستطيع شخص ما أن يلتقطها في مكان آخر، فيشعر فجأة بأن بينه وبين الآخر تاريخاً مشتركاً لا يحتاج إلى شرح. قد يسمع السوري أغنية في مدينة لا يعرفها، فيستعيد بها بيتاً أو شارعاً أو وجوهاً غابت؛ وقد يرى أكلة من منطقة أخرى، فيكتشف أن ما كان يظنه تفصيلاً محلياً هو جزء من ذاكرة أوسع.
بهذا المعنى، تعمل الإشارات الثقافية كـلغة صامتة للانتماء. إنها لا تقول فقط «من نحن؟»، بل تقول أيضاً «ما الذي يجمعنا؟». وفي المجتمعات التي مزقتها الحرب، تصبح هذه الإشارات ذات قيمة مضاعفة، لأنها تستطيع أن تستعيد معنى «نحن» من تحت ركام الخطابات التي قسمت الناس إلى جماعات متقابلة. لذلك، تعتبر استعادة الإشارات الثقافية المشتركة محاولة لإعادة بناء المجال الرمزي الذي يمكّن للسوريين من أن يلتقوا داخله من جديد.

أن أي رمز ثقافي، مهما كان نوعه، لا يطلب من السوري أن يتخلى عن هويته الفرعية، بل يمنحه مساحة يلتقي فيها مع الآخرين من دون أن يضطر إلى محو اختلافه. وربما تكون هذه هي المهمة الأعمق للثقافة اليوم: إعادة إنتاج معنى «نحن»، لا بوصفه شعاراً سياسياً، بل شعور يومي بأن الآخر السوري ليس خصماً محتملاً، وإنما قريبٌ في الذاكرة، وشريكٌ في المكان والمصير.