Skip to main content

رسالة على رأس جابر...

 |  د.عروب المصري  |  ثقافة

جلس بيدبا الفيلسوف أمام الملك دبشليم، وراح يحدّثه عن أسد مغرور، وثور طيّب القلب، وابن آوى يتقن الوشاية، حتى أوقع بينهما. كان الملك يفهم جيداً أن الحديث يدور عنه وعن بلاطه، وكان الفيلسوف يعرف أن قول الشيء نفسه بلا أقنعة قد يكلّفه رأسه، فاتفق الاثنان دون اتفاق على أن تتكلم الحيوانات بدلاً منهما. وحين نقل ابن المقفع هذه الحكايات إلى العربية، أهدانا كتاباً صار من أجمل ما في مكتبتنا، لكنه لم يجد في كل تلك الحيوانات ما يحميه حين جاء أمر قتله من والي البصرة.

ومن هذا الخوف الذي رافق أجيالاً من الكتّاب والشعراء، في عصور تبدّلت فيها أشكال الحكم وطبائعه بين مرحلة وأخرى، ورثنا ثروة لا يُستهان بها: الكناية والتورية والتلميح، والحكاية التي تُروى على لسان الطير والدابة، والقصيدة التي تمدح الحاكم في ظاهرها وتهجوه في باطنها، والمثل الشعبي الذي يقول الكثير بكلمات قليلة لمن يعرف كيف يستمع. نحن نحب هذه الجماليات ونحفظها ونعلّمها لأبنائنا، ولا نرى سبباً للتخلي عنها، غير أن من الإنصاف أن نتذكر أيضاً الظروف التي ولّدتها، وأن نعرف أن كثيراً من هذا الجمال كان في أصله طريقة للنجاة.
ثم جاءنا من الخارج، في العقود الأخيرة، ما يشبه هذا الإرث في شكله، وإن اختلف عنه في منبته. فقد ارتفع الغموض في الفن والأدب إلى مرتبة المعيار، حتى صار العمل الذي يُفهم من قراءته الأولى متهماً بالسطحية، وصار الإبهام في نظر كثير من النقاد والمؤسسات الثقافية علامة على العمق والأصالة. وتعلّم جيل كامل من الفنانين أن يخفي ما يريد قوله تحت طبقات متراكمة من الرموز، لأن السوق والجوائز والصالونات كانت تكافئ ذلك.
هذه الموجة تنحسر اليوم، ويمكن أن نلمس انحسارها فيما يقرؤه الناس ويشاهدونه ويتداولونه. والقمع لم يغادر عالمنا، فهو حاضر بأشكال قديمة وجديدة، لكن الناس تعبوا من الضغط الذي يفرضه عليهم فنٌّ يطلب منهم أن يتعلموا لغته السرية قبل أن يسمعوه، وتعبوا من دفع ثمن فكّ الشيفرة في زمن صار فيه ما يحدث حولهم واضحاً إلى حدّ لا يحتمل كل هذا التمويه.

وهنا يبدو أن أمامنا تناقضاً: كيف نستخدم تراثاً قام على الترميز من أجل الوصول إلى الوضوح؟ أظن أن الجواب يكمن في معنى الأصالة نفسها. فالأداة القديمة لا تكتسب أصالتها من عمرها، وإنما مما نستطيع أن نفعله بها اليوم، والحكاية التي كانت ستاراً يحتمي به الراوي من السلطان يمكن أن تصير في يد كاتب معاصر وسيلة لكي يرى الناس أنفسهم ومصالحهم بعيون مفتوحة.
فعل سعد الله ونوس ذلك قبل أكثر من نصف قرن، حين كتب «مغامرة رأس المملوك جابر». أخذ الحكواتي، أقدم أشكال الفرجة الشعبية عندنا، وأجلسه في مقهى على خشبة المسرح، وسمّاه العم مونس، وجعل حوله زبائن يقاطعونه ويعترضون عليه ويطالبونه بسيرة الظاهر بيبرس لأنها تذكّرهم بـ«أيام البطولات والانتصارات»، فيصرّ على أن يروي لهم حكاية قاتمة ويقول: إن 
«هذه الحكايات ضرورية». كان ونوس يريد أن يُشرك المتفرج في اللعبة كلها، فيرى كيف تُصنع الحكاية ولمصلحة من تُروى، ويكتشف أن الحكواتي الذي اعتاد أن يسلّيه ويهدهد غضبه يستطيع أيضاً أن يوقظه. كان القالب تراثياً خالصاً، يعرفه كل من جلس يوماً في مقهى النوفرة خلف الجامع الأموي، يستمع إلى سيرة عنترة أو تغريبة بني هلال، لكن الغاية كانت جديدة تماماً: أن يخرج المتفرج من العرض وقد فهم ما يجري حوله، وأن يحمل معه أسئلته إلى بيته وشارعه.
ربما يصحّ أن نسمّي هذا أصالة من نمط 
جديد: حرفة المقامة والحكاية والمَثل وأشكال الفرجة الشعبية، بإيقاعها العالي وقدرتها القديمة على الوصول إلى الناس، وقد صارت تقول ما يريد كاتبها قوله بوضوح، بعد زمن طويل عاشته مضطرة إلى المواربة. وفي هذا وفاء للتراث يفوق تحنيطه، فالتراث الذي يعود إلى العمل في عصر جديد، ويخدم أسئلته يبقى حياً أطول بكثير من التراث الذي يُحفظ خلف زجاج المتاحف، ويُزار في المناسبات ثم يُترك وحيداً.

وفي حكاية ونوس نفسها صورة تختصر هذا كله. فجابر، المملوك الذكي الطامح، اقترح على سيّده الوزير أن يحلق شعر رأسه ويكتب عليه الرسالة السرية الموجّهة إلى ملك العجم، ثم انتظر أياماً حتى نبت الشعر وغطّى الكتابة. وحملها مزهوّاً بحيلته عبر الحرس والحدود، وهو لا يستطيع أن يقرأ حرفاً مما فوق رأسه. وكان الوزير قد أضاف في آخر الرسالة حاشية صغيرة: «وكي يظل الأمر سراً بيننا، اقتل حامل الرسالة من غير إطالة».