Skip to main content

بين السيرقوني والسيكلما.. وباسم فرنسا كمان

 |  د.عروب المصري  |  ثقافة

صباح العاشر من تشرين الأول، نُقل تمثال صلاح الدين من أمام قلعة دمشق، وقالت المحافظة إن النقل للترميم. لم تمضِ ساعات حتى امتلأت الصفحات السورية بالتعليقات، وكتب أحدهم: «التمثال صار بسطة جرابات». ضحكت، ثم انتبهت إلى أن هذه الجملة قالت ما لم يقله البيان: أن سور النصب صار منذ سنوات مكاناً لتعليق البضائع، وأن أحداً لم يفعل شيئاً. وليست هذه أول مرة يسبق فيها الشارع السوري البيانات الرسمية بنكتة. عام 1929 أصدر حبيب كحالة في دمشق مجلة «المضحك المبكي»، وحمل غلاف عددها الأول رسماً كاريكاتيرياً للشيخ تاج الدين الحسني، الرجل الذي شكّل الوزارة مرتين في عهد الانتداب، ثم صار رئيساً للجمهورية بكتاب من المندوب الفرنسي. وفي عام 1930 رسمت المجلة المفوض السامي بونسو راكباً حماراً، والشيخ تاج ووزراءه في استقباله يقولون: «مبارك الآتي باسم الرب... وباسم فرنسا كمان». في هذا السطر وصفٌ لعلاقة حكومة كاملة بسلطة الانتداب، أوضح من مقالات كثيرة كُتبت يومها. وحين أصدر المفوض عفواً عن السجناء السياسيين استثنى منه أكثر من سبعين من كبار الوطنيين، سمّاه الناس في الشوارع «العفو الأعرج»، فاختصروا سياسة كاملة في كلمتين، وإن كان في الاسم أيضاً غمز من عرج الشيخ تاج، وهذه قسوة لا أدافع عنها. وتقول كوليت خوري عن خالها كحالة إنه «كان يسكب أمرّ الأحداث السياسية في القوالب الهزلية». لكن للضحك وجهاً آخر. فالنكتة التي تُقال في السهرة ثم تُنسى قد تكون طريقة لاحتمال ما لا يُحتمل، لا لتغييره. يضحك الناس فيرتاحون قليلاً، ويبقى كل شيء في مكانه. والسلطة تعرف هذا، فلا تخاف من كل نكتة. ما يقلقها هو النكتة التي تصل إلى غلاف مجلة، ويتناقلها الناس، ويعرف كل من يسمعها عمّن تتحدث. أظن أن الفرق بين الحالتين يظهر في سؤال بسيط: هل تسمّي النكتة شيئاً لم يجرؤ أحد على تسميته، أم تكتفي بأن تساعدنا على احتماله؟ «العفو الأعرج» سمّى الشيء باسمه، وما زال كبار السن في دمشق، كما يروي الباحث شمس الدين العجلاني، يذكرون الألقاب التي أطلقها الشارع على الشيخ تاج. وكثير مما نتداوله اليوم على هواتفنا يمرّ بنا ضحكةً، ثم يختفي مع المنشور التالي. وفي اليوم نفسه الذي نُقل فيه صلاح الدين، كتب دمشقي آخر تعليقاً قصيراً: «غالباً طلع فلول».