Skip to main content

خذوني معكم

 |  قاسيون  |  ثقافة

افتتحت «أوركسترا العالم الجديد» تمرينها في ساحة الجمهورية في باريس، صباح السابع عشر من تشرين الأول، بأغنية عمرها أكثر من ثمانين عاماً: «بيلا تشاو».

 بعد ساعة، حين كانت تعزف أغنية خرجت قبل اثني عشر عاماً من فيلم أمريكي، سقطت قنبلة غاز مسيل للدموع عند قدمي حامل نوتة، فغادر الموسيقيون الساحة وهم يسعلون. بين الأغنيتين يمكن أن نقرأ برنامج هذه الفرقة كلها، وأن نفهم شيئاً عن الجيل الذي يملأ شوارع فرنسا هذا الخريف. الفرقة التي أسسها قائد الأوركسترا الشاب إتيان جاريي عام 2020 تضم نحو مئتين وخمسين متطوعاً، وتصف نفسها بأنها «مناهضة للعنصرية، مناهضة للرأسمالية، نسوية، بيئية». 
ومع انتفاضة تلاميذ الثانويات دعت الموسيقيين إلى الانضمام إليها، فوقف في الساحة يومها نحو خمسمئة عازف ومنشد. وما اختاروا أن يعزفوه يستحق أن نقرأه أغنيةً أغنية. «بيلا تشاو» أغنية الأنصار الإيطاليين الذين قاتلوا الفاشية والاحتلال النازي. يستيقظ فيها رجل ذات صباح فيجد الغازي في بلاده، فيطلب من رفيقه المقاتل أن يأخذه معه، ويوصي إن مات أن يُدفن في الجبل تحت ظل زهرة، ثم يختم بأن من يمرّ سيقول إنها «زهرة المقاتل الذي مات من أجل الحرية». عادت الأغنية إلى ألسنة الشباب في العالم كله قبل سنوات مع المسلسل الإسباني «لا كاسا دي بابيل»، لكنها في ساحة باريسية، بينما يحذّر الجميع من وصول «التجمع الوطني» إلى الرئاسة العام المقبل، تستعيد معناها الأول: أغنية في وجه الفاشية. 

ثم «الأممية»، أشهر أناشيد الحركة العمالية في العالم. كتبها الشاعر أوجين بوتييه في حزيران 1871، وكان من رجال كومونة باريس، بعد أسابيع من سحقها وإعدام الآلاف من أنصارها. ولحّنها بيير دوجيتر في مدينة ليل عام 1888. تبدأ بنداء: «انهضوا يا معذَّبي الأرض، انهضوا يا أسرى الجوع»، وتقول في مقطعها الثاني إنه «لا منقذ أعلى، لا إله ولا قيصر ولا خطيب»، ثم تدعو المنتجين إلى أن «ينقذوا أنفسهم بأنفسهم». 
وحين تُعزف اليوم في شوارع يحتج فيها التلاميذ على صفوف تعجّ بالجرذان، وعلى أسعار الخبز والوقود، لا تبدو كلماتها قادمة من القرن التاسع عشر. وعزفت الفرقة أيضاً «المارسييز»، النشيد الذي كتبه روجيه دو ليل عام 1792 لجنود الثورة: «هيا يا أبناء الوطن، لقد جاء يوم المجد»، و«إلى السلاح أيها المواطنون». نشيد الجمهورية الرسمي يُعزف ضد حكومة الجمهورية، والغاز يسقط بين من يعزفونه. المفارقة لا تحتاج إلى تعليق. لكن أكثر ما لفت الأنظار كان الجزء الثاني من البرنامج؛ موسيقى الأفلام. «شجرة المشنقة» أغنية من «ألعاب الجوع»، السلسلة التي كبر عليها هؤلاء التلاميذ، وتدور في بلد تحكمه عاصمة مترفة تستعبد مقاطعاته الفقيرة، وتجبر أبناءها على قتل بعضهم في مباراة تُبث على الشاشات. الأغنية عن رجل مشنوق يدعو حبيبته إلى أن تلقاه عند الشجرة في منتصف الليل، وفي الجزء الثالث من السلسلة تغنّيها البطلة بصوت خافت، فيلتقطها 
المتمردون ويرددونها وهم يهاجمون سداً يمدّ العاصمة بالكهرباء. كتب موقع 
«هافنغتون بوست» الفرنسي أن لحنها صار «واحداً من أناشيد التحركات الاجتماعية في فرنسا». 
ومعها لحن «المنتقمون»، الأبطال الذين يجتمعون رغم اختلافهم لمواجهة خطر واحد. وحين عادت الفرقة إلى الساحة نفسها في الخامس من تشرين الثاني، يوم الإضراب العام، بنحو أربعمئة موسيقي، ولم يأتِ الغاز هذه المرة، افتتحت عزفها «بشجرة المشنقة» نفسها، الأغنية التي قُطعت قبل ثلاثة أسابيع. وفي أثناء المسيرة، حين تقدمت وحدات الشرطة المتنقلة أمام كنيسة سان أمبرواز، عزفت «المارش الإمبراطوري» من «حرب النجوم»، اللحن الذي يرافق دارث فيدر وجيش الإمبراطورية كلما ظهروا على الشاشة. لم يحتج أحد إلى شرح. «الأوركسترا تحب المزاح»، كتب صحفي صوّر المشهد. يعرف هذا الجيل لغة السينما أكثر مما يعرف أناشيد أجداده، والفرقة لم تختر بين اللغتين.
 وضعت «الأممية» إلى جانب «ألعاب الجوع»، و«بيلا تشاو» إلى جانب «حرب النجوم»، فصار التلميذ الذي جاء ليسمع لحن فيلمه المفضل يسمع بعده نشيد الكومونة. وربما في هذا درس لنا أيضاً: من يريد أن يصل إلى جيل جديد يبدأ من الأغاني التي يعرفها، ثم يأخذه منها إلى ما لا يعرفه. وفي ذلك اليوم خرجت اثنتان وعشرون فرقة في مدن فرنسا، من مرسيليا إلى ستراسبورغ، بعد أن وجّهت الفرقة نداءً إلى موسيقيي البلاد كلها. في كان عزف هواة، بعضهم في الخامسة عشرة، «الأممية» و«بيلا تشاو» بعد أن سمعوهما مرة واحدة. ويردّدها المحتجون 
في التظاهرات كثيراً، وقد عزفت الفرقة أيضاً، أغنية شارل أزنافور، ابن المهاجرين الأرمن الذين لجؤوا إلى فرنسا، «خذوني معكم»، عن رجل في ميناء رمادي في الشمال يرى السفن تغادر، ويحلم بأن تأخذه إلى أرض بعيدة فيها شمس. وهي الكلمة نفسها التي يقولها رجل «بيلا تشاو» لرفيقه قبل ثمانين عاماً: خذني معك.