Skip to main content

نقابات وعمّال (5638)

تُشكل ظاهرة «ساعات العمل الطويلة مقابل أجور ثابتة» إحدى أقسى صور الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي التي يواجهها مئات الآلاف من العمال في سورية اليوم، ففي ظل الظروف الاقتصادية الخانقة وانعدام الفرص، يجد العامل السوري نفسه مضطراً للقبول بشروط عمل جائرة، لا تضمن له أدنى مقومات الحياة الكريمة، لتتحول ساعات العمل الممتدة إلى نزيف دائم لصحته وطاقته دون مقابل عادل.

​يعاني الاقتصاد السوري من أزمة عميقة لا تتعلق بحجم البطالة المرتفع فحسب، بل تمتد لتطال نوعية الوظائف المتاحة وتأثيرها على استقرار المجتمع، ويكمن التحدي الأكبر اليوم في الانتشار الواسع للوظائف الهشة التي افتقرت إلى الاستدامة والإنتاجية، واقتصرت على توفير دخل متذبذب لا يحقق الأمان الاجتماعي أو الاقتصادي للعمال، مما يحول بين الطاقة البشرية وتحقيق نهضة حقيقية.

Sunday, 27 September 2026 20:02

الغضب العمالي... مستمرٌ

Written by

تتواصل التحركات العمالية المطلبية في سورية، وتتخذ أشكالاً متعددة تتجاوز الاحتجاج في الشارع، من الوقفات والاعتصامات إلى تعليق العمل ورفع الشكاوى الجماعية والاعتراض على تأخر الرواتب واضطراب الأوضاع الوظيفية. وما يجري في عدد من المحافظات لا تبدو حوادث منفصلة، بل امتداداً لحالة مطلبية متصاعدة تفرض نفسها على المشهد الاقتصادي والاجتماعي.

في زوايا المولات والمحال التجارية ومراكز البيع المشابهة، حيث تتلألأ الواجهات وتصدح الموسيقى، يقف آلاف الشباب السوريين خلف الكواليس، يؤدون أعمال البيع وخدمة الزبائن، بينما هم يواجهون ظروف عمل صعبة في ظل سوق عمل هشّ يفتقر فيه كثير من العاملين إلى الاستقرار والحماية.

تدخل عاملة تنظيف المنزل إلى بيت لا تعرفه، لكنها تعرف جيداً أن حاجتها إلى الدخل قد تفرض عليها قبول شروط لا تملك دائماً القدرة على التفاوض بشأنها. في سورية، دفعت الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع تكاليف الحياة مزيداً من النساء إلى العمل في تنظيف المنازل وتعزيلها، بحثاً عن دخل يساعد في تأمين احتياجات الأسرة.

ماذا ينتظر العامل من نقابته؟ أن تدافع عن أجره، وشروط عمله، وأمانه الوظيفي، وأن تكون طرفاً حقيقياً في التفاوض حول مستقبله، لكن حين يتحول النشاط النقابي إلى حضور في الاجتماعات، والمشاركة في المعارض، وتنظيم الندوات، واستقبال الوفود، وإصدار البيانات يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً قائماً: 

 لا تبدو مشكلة كوادر المستوصف الصحي في الدرباسية مجرد تأخر إداري في دفع الرواتب، بل تعكس واحدة من نتائج الانتقال بين مرحلتين إداريتين، حيث وجد العاملون أنفسهم أمام واقعٍ جديد بعد اتفاقية الدمج، من دون أن تنتقل حقوقهم المالية بالسرعة ذاتها التي انتقلت بها مسؤولياتهم الوظيفية.

لطالما كانت زيادة الرواتب تُطرح بوصفها الحل الأكثر مباشرة لتحسين أوضاع العمال والموظفين، فحين ترتفع الأسعار وتتراجع القدرة الشرائية، يبدو رفع الأجور إجراءً بديهياً لتعويض العامل عن خسارته، لكن في الاقتصاد السوري، أصبحت المسألة أكثر تعقيداً، إذ إن زيادة الراتب إذا لم تترافق مع إجراءات اقتصادية أخرى، قد تتحول من حل لأزمة الأجور إلى حلقة جديدة في أزمة الأسعار.

لم يعد تدني الأجور بالنسبة لموظفي الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب مجرد شكوى تُطرح داخل المكاتب، بل تحول إلى احتجاج علني. ففي 14 أيلول 2026، خرج عدد من موظفي المديرية في وقفة احتجاجية للمطالبة برفع رواتبهم، ووضع حد للتفاوت الذي يرونه مجحفاً بحق العاملين، ولا سيما أصحاب سنوات الخدمة والخبرة الطويلة.

يبدو مصطلح «الحد الأدنى للأجور» للوهلة الأولى وكأنه ضمانة قانونية واضحة للعامل: رقم تحدده الدولة، ويلتزم صاحب العمل بعدم النزول عنه، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا الرقم منفصلاً عن الواقع الاقتصادي، وعن أسعار الغذاء والسكن والنقل والطاقة وسائر الاحتياجات الأساسية، عندها يتحول الحد الأدنى للأجور من وسيلة لحماية العامل إلى مجرد رقم قانوني لا يستطيع العامل أن يعيش به.

Page 1 of 403