وهل نساؤنا كنسائهم؟

وهل نساؤنا كنسائهم؟

تتضح يوماً بعد يوماً وعلى وجه الخصوص منذ السابع من تشرين الأول الماضي ازدواجية المعايير التي خبرناها دوماً من الغرب تجاه قضايانا المحورية، لكن آخر ما حُرِّر هو ازدواجية معاييرهم تجاه قضايا اعتبروها حسب ادعائهم قضايا كبرى باسم النسوية وما شابه من الادعاءات.

وإذا كنا ندرك دوماً بأن ما يسمى بالمنظمات غير الحكومية المدعومة غربياً هي فخ طويل الأمد لتمرير الأجندات الغربية بطريقة ناعمة، فإن أي بادرة تحمل روحاً وطنية أو روح مقاومة ضمن هذه المنظمات تلقى عقاباً واضحاً وصريحاً، وليس أول هذه التجليات منع تمويل الحكومة الألمانية لمشروع مناهضة الإتجار بالنساء، الذي تنفّذه مؤسسة قضايا المرأة في مصر، وذلك في تشرين الثاني الماضي اعتراضاً على توقيع رئيسة مجلس أمناء المؤسسة، المحامية عزة سليمان، على بيان لوقف الحرب على غزة ومقاطعة البضائع «الإسرائيلية» وقطع العلاقات الدبلوماسية مع «إسرائيل»، بحسب ما قالته سليمان.
وأعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وقف التعاون الحالي والمستقبلي مع الحكومة الألمانية بشأن المشاريع التنموية، كما قرر مديرها حسام بهجت سحب ترشّحه للجائزة الفرنسية الألمانية «لحقوق الإنسان وسيادة القانون»، مشدداً على أن موقف ألمانيا من الحرب في فلسطين هو الأكثر انحطاطاً بعد الولايات المتحدة من باقي الدول الغربية، موضحاً أنّ ألمانيا ضاعفت صادراتها من السلاح «لإسرائيل» لتقتل به المدنيين في غزة.
من جانبها، قالت السفارة الألمانية بالقاهرة في بيان مقتضب إنّ ألمانيا لا تعلّق على شركائها في المشاريع وقرارات التمويل كلٌّ على حدة، لافتة إلى أنّ أحد معاييرها للتمويل الحكومي هو أن تكون المنظمات غير متحالفة مع حركة مقاطعة «إسرائيل» (BDS) أو تدعو بأيّ شكل من الأشكال إلى مقاطعة «إسرائيل»، مشيرة إلى أن عوامل مثل «معاداة السامية» ليست معياراً لهذه القرارات.
وأوضحت سليمان أنها تلقّت عدة خطابات من السفارة الألمانية في القاهرة خلال الفترة من 7 وحتى 30 تشرين الثاني الماضي، تعتذر فيها السفارة عن تمويل حكومتها للمشروع، بسبب توقيعها كممثلة لمؤسسة قضايا المرأة على بيان يطالب بمقاطعة «إسرائيل» وفرض عقوبات اقتصادية عليها.
وعلى حين تم فضح كل الادعاءات «الإسرائيلية» والغربية حول انتهاكات ضد النساء المحتجزات لدى رجال المقاومة أو حول الكذبة المتعلقة بأطفال مقطوعي الرؤوس أو ما شابه، يصمُّ الغرب ومؤسساته النسوية آذانهما عن الانتهاكات الخطيرة التي يقوم بها الكيان الغاصب في غزة والضفة الغربية، تجاه النساء الفلسطينيات اللواتي يناضلن منذ ما يقارب القرن من الزمن ضد الاحتلال الصهيوني.
فقد أعربت خبيرات أمميات مستقلات عن القلق بشأن «ادعاءات ذات مصداقية حول انتهاكات صارخة» ومتواصلة لحقوق الإنسان تتعرض لها نساء وفتيات فلسطينيات في قطاع غزة والضفة الغربية.
وبحسب الموقع الرسمي للأمم المتحدة، قالت الخبيرات، في بيان صحفي، إن نساء وفتيات فلسطينيات تعرضن للإعدام التعسفي - غالباً مع أفراد أسرهن بمن فيهم الأطفال - وفق المعلومات الواردة. وأبدين صدمتهن بشأن تقارير عن الاستهداف المتعمد والقتل خارج نطاق القضاء لنساء وأطفال فلسطينيين في أماكن يلتمسون فيها الأمان أو أثناء فرارهم.
وقالت الخبيرات: «إن بعضهم - وفق التقارير - كان يحمل قطعاً من القماش الأبيض عندما قتلهم جيش الاحتلال أو القوات التابعة له». كما أعربن عن القلق البالغ بشأن الاحتجاز التعسفي لمئات الفلسطينيات، من بينهن مدافعات عن حقوق الإنسان وصحفيات وعاملات في المجال الإنساني، في غزة والضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول.
وتعرضت الكثيرات - وفق التقارير - لمعاملة غير إنسانية ومهينة وللضرب المبرح وحُرمن من الحصول على الفوط الصحية الضرورية أثناء الدورة الشهرية، والغذاء والدواء. وكما جاء في البيان، في حالة واحدة على الأقل وُضعت فلسطينيات محتجزات في غزة في قفص تحت المطر والبرد ودون طعام.

اعتداءات جنسية

وأبدت الخبيرات الأسى بشأن تقارير عن تعرض فلسطينيات في الاحتجاز لأشكال متعددة من الاعتداء الجنسي، مثل تعريتهن وتفتيشهن من قبل جنود ذكور في جيش الاحتلال.
ويبدو أن فلسطينيتين على الأقل اغتُصبَتا فيما هُدّدت أخريات بالاغتصاب والعنف الجنسي وفق التقارير. وأشارت الخبيرات الأمميات المستقلات أيضاً إلى صور لمحتجزات في ظروف مهينة، أفيد بالتقاطها من قبل جيش الاحتلال ونشرها على الإنترنت.
وأعربت خبيرات الأمم المتحدة الحقوقيات أيضاً عن القلق بشأن تقارير أفادت باختفاء عدد غير معروف من النساء والأطفال الفلسطينيين، ومنهم فتيات، بعد اتصال مع جيش الاحتلال في غزة. وقالت الخبيرات: «هناك تقارير مقلقة عن النقل القسري لطفلة فلسطينية رضيعة واحدة على الأقل، من قبل جيش الاحتلال، إلى (إسرائيل)، وعن أطفال فُصلوا عن والديهم وما زال مكان وجودهم غير معلوم».

هل تفي حكومة الاحتلال بالتزاماتها؟

وذكـّرت الخبيرات حكومة الاحتلال بالتزامها بدعم الحق في الحياة والأمان والصحة والكرامة للفلسطينيات وضمان عدم تعرض أحد للعنف والتعذيب وإساءة المعاملة أو المعاملة المهينة بما في ذلك العنف الجنسي.
ودعت الخبيرات إلى إجراء تحقيق مستقل ونزيه وعاجل وشامل وفعال حول الادعاءات، وتعاون (إسرائيل) مع التحقيقات. وقالت الخبيرات الأمميات المستقلات في ختام بيانهن: «هذه الأفعال المزعومة مجتمعة، قد تمثل انتهاكات جسيمة لقانون حقوق الإنسان والقانون الدولي، وقد تصل إلى مستوى الجرائم الخطيرة وفق القانون الجنائي الدولي يمكن مقاضاتها بموجب ميثاق روما الأساسي». يُذكر أن نظام روما هو النظام المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية.
وشددن على ضرورة محاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم، وعلى حق الضحايا والأسر في الإنصاف والعدالة بشكل كامل.
وأشارت الخبيرة ريم السالم إلى أنه كان هناك موقف متساهل بشكل متزايد تجاه الاعتداء الجنسي في مراكز الاعتقال «الإسرائيلية». وشددت: «أود أن أقول إن العنف وتجريد النساء والأطفال والمدنيين الفلسطينيين من إنسانيتهم، بشكل عام، أصبح أمراً طبيعياً طوال هذه الحرب».
الخبيرات: ريم السالم المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات أسبابه وعواقبه، فرانشيسكا ألبانيز المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، دوروثي استرادا تانك (الرئيسة)، وكلوديا فلوريس، وإيفانا كرستيتش، وهاينا لو، ولورا نيرينكيندي، الفريق العامل المعني بالتمييز ضد النساء والفتيات.
*يشار إلى أن المقررين الخاصين والخبراء المستقلين، يعينون من قبل مجلس حقوق الإنسان في جنيف وهي جهة حكومية دولية مسؤولة عن تعزيز وحماية حقوق الإنسان حول العالم. ويكلف المقررون والخبراء بدراسة أوضاع حقوق الإنسان وتقديم تقارير عنها إلى مجلس حقوق الإنسان. وتجدر الإشارة إلى أن هذا المنصب شرفي، فلا يعد أولئك الخبراء موظفين لدى الأمم المتحدة ولا يتقاضون أجراً عن عملهم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1163