تشهد مختلف مناطق سورية منذ أشهر حراكاً شعبياً مطلبياً واسعاً ومستمراً ومتعدد الأشكال. تتعلق مطالبه بالاقتصاد والمعيشة، وبقضايا قِطّاعية ومحلية، ترتبط بالعمل وقرارات الاستملاك والتعويضات والزراعة والأسعار والخدمات. ومن تسعير القمح إلى ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف النقل وتراجع القدرة الشرائية...
تتراكم أسباب تدفع المواطنين إلى الاحتجاج. لذلك لا يصح التعامل مع هذه التحركات بوصفها حدثاً عابراً، فالاحتجاج مشروع، وأسبابه موجودة، ومشروعيته لا تتحدد وفق الهوية السياسية للمشاركين، ولا وفق رضا السلطة عن مطالبهم.
تظهر محاولات مختلفة لتقليص معنى الحركة أو تشويهها. فبعض المؤيدين للسلطة الحالية يصف المشاركين بأنهم «فلول»، أو يطالبهم بـ«طول البال على الدولة»، أو يسألهم: «وين كنتو من 15 سنه؟».
وفي الجهة الأخرى، هناك من يدّعي دعمه للاحتجاج، لكنه يحاول تحميله أكثر مما يحتمل، أو توظيفه في معركة سياسية شاملة، أو يجرّه إلى صراعات أوسع، ذات أبعاد طائفية أو مناطقية. وعلى اختلاف هذه المواقف، فإن النتيجة واحدة:
نقل النقاش بعيداً عن الأسباب الفعلية التي دفعت الناس إلى الشارع.
الحركة الشعبية لا تحتاج إلى إذن سياسي كي تكون مشروعة. فالاحتجاجات لا تنشأ عادة بقرار من الأحزاب، بل عندما تتعرض مصالح الناس للضرر، ويشعرون أن الوسائل العادية للتعبير لم تعد كافية. ومشاركة أشخاص ذوي مواقف سياسية مختلفة لا تلغي الطابع الاجتماعي للمطالب.
كما أن اختزال المحتجين الحاليين في «الفلول» لا ينسجم مع اتساع الاحتجاجات جغرافياً واجتماعياً، ولا مع مشاركة أشخاص عارضوا النظام السابق، أو تعرضوا للاعتقال في عهده. المعيار البسيط هو:
هل توجد مشكلة حقيقية؟ هل تضرر مواطنون منها؟ وهل يملكون الحق في الاعتراض والمطالبة بتغييرها؟
المواطن لا يحتاج إلى شهادة في الولاء السياسي حتى يعترض على قرار يمس حياته.
أما عبارة «طولوا بالكم على الدولة»، فلا يمكن أن تكون حجة لإسكات الاحتجاج. صحيح أن السلطة الحالية ورثت اقتصاداً ومؤسسات مثقلة بسنوات الحرب والانهيار، وأن إعادة البناء تحتاج إلى وقت وموارد. لكن ذلك لا يمنحها شيكاً على بياض، ولا يعفيها- على الأقل- من تقديم مؤشرات ملموسة على تحسن الأوضاع. ثم إن كثيراً من الأسئلة المطروحة لا تحتاج بالضرورة إلى موارد ضخمة، بقدر ما تحتاج إلى شفافية وإدارة سليمة وصدق مع الناس.
ما حجم إيرادات قطاع الاتصالات الخليوي وأين تذهب؟ وما مصير الأموال والممتلكات التي صودرت من شخصيات مرتبطة بالفساد في النظام السابق؟ وما طبيعة الاتفاقات المبرمة مع الشركات الأجنبية؟ وما الدور الذي تؤديه حلقات الوساطة والاحتكار في أسعار المحروقات؟ وما حجم الإنتاج النفطي الفعلي؟ وما هي مصادر أموال الترف الاستفزازي الذي يقوم به البعض؟
وينطبق الأمر نفسه على مكافحة خطاب الكراهية والطائفية، وعلى المساواة أمام القانون الذي لا يحتاج إلى أي موارد.
من هنا ينبغي تغيير زاوية النظر إلى الاحتجاج. بدلاً من السؤال: «لماذا يحتج هؤلاء؟»، ينبغي السؤال: «لماذا وصل المواطن إلى النقطة التي أصبح فيها الاحتجاج ضرورياً؟».
الاحتجاج، في كثير من الحالات، ليس المشكلة، بل مؤشر على مشكلة أعمق في العلاقة بين الدولة والمجتمع. عندما لا يغطي سعر المحصول كلفة الفلاح، أو يصبح الوقود عبئاً على العامل، أو تتراجع القدرة الشرائية للموظف، فإن الاحتجاج يصبح وسيلة لإظهار الخلل. والمسؤولية الأساسية في معالجة هذا الخلل تقع على السلطة، لأنها تملك أدوات القرار والتنظيم والتفسير والتصحيح، بينما لا يملك المواطن وزارة، أو جهازاً رقابياً، أو مؤسسة تسعير. المطلوب من السلطة أن تسمع، وتشرح، وتحقق، وتصحح، لا أن تبدأ بتخوين المحتجين والبحث عن «فلول» أو جهات خارجية.
لكن الدفاع عن مشروعية الحركة الاحتجاجية لا يعني تحميلها ما يفوق طاقتها. فالحركة المطلبية لا تستطيع، ولا ينبغي أن يُطلب منها، أن تحل جميع أزمات سورية التاريخية، أو أن تحسم قضايا الدستور والهوية وشكل الدولة والعلاقات بين المكونات والسياسة الخارجية ونظام الحكم.
إنّ تحويل كل احتجاج اقتصادي إلى معركة سياسية كبرى قد
يضعف الحركة نفسها، ويمنح السلطة فرصة لتقديمها بوصفها تهديداً للدولة، بدلاً من التعامل
مع مطالبها المباشرة. قوة الاحتجاج تكمن في صلته بالمصلحة الفعلية للناس، وفي تطوره التدريجي الطبيعي: الفلاح الذي يطالب بسعر عادل لمحصوله لا يحتاج إلى برنامج سياسي شامل كي يكون مطلبه مشروعاً، والعامل الذي يحتج على أثر رفع أسعار الوقود في معيشته، لا يحتاج إلى الدخول في كل صراعات السياسة السورية كي يُسمع صوته.
والخطر الأكبر، هو جر الحركة إلى مسارات طائفية أو مناطقية. فالمطالب المعيشية المشتركة يمكن أن تفتح مساحة نادرة للتواصل بين السوريين. الفلاح في الجزيرة، والعامل في حلب، والموظف في دمشق، وصاحب الورشة في حمص أو حماة أو درعا أو القامشلي، قد يختلفون في السياسة، لكنهم يواجهون أسئلة متشابهة:
هل يكفي الدخل؟ هل الأسعار عادلة؟ وهل تراعي القرارات مصالحهم؟ هذه المساحة المشتركة يمكن أن تكون أكثر فائدة للحركة وللمجتمع من تحويلها إلى ساحة صراع هوياتي.
وهذا لا يقلل من أهمية السياسة، بل يضعها في مكانها الصحيح. فالقضايا تحتاج إلى مؤسسات وحوارات وأطر سياسية، بينما تحتاج الحركة الاحتجاجية إلى حماية مساحتها من الاستغلال. حافظت على وضوح مطالبها، أمكن قياس الاستجابة لها ومحاسبة الجهة المسؤولة عن تنفيذها، بدل أن تضيع مطالبها في صراعات أوسع.
لذلك فإن مسؤولية السلطة الأساسية هي الاستجابة لا التخوين. أمامها خيار التعامل مع كل احتجاج بوصفه مؤامرة أو على الأقل تطنيشه، أو التعامل معه بوصفه مؤشراً اجتماعياً وسياسياً مهماً يقول: إن قراراً ما أضر بمواطنين.
والسؤال الأعمق للاحتجاجات في النهاية هو:
ما شكل العلاقة بين المواطن والدولة في سورية الجديدة؟
إذا كانت المرحلة الحالية تعني شيئاً، فينبغي أن تعني الانتقال من الاتهام إلى المساءلة، ومن النظر إلى الاعتراض بوصفه تهديداً إلى اعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة العامة.
إن مشروعية الاحتجاج تقوم على حق المواطنين في العمل الجماعي، والتعبير عن مصالحهم، وعلى مبدأ أن الدولة ليست فوق المجتمع، وأن الحكومة ليست فوق المساءلة، وأن المواطن لا يحتاج إلى إثبات ولائه كي يقول: إن قراراً ما خاطئ. وفي الوقت نفسه، تبقى قوة الحركة في بقائها قريبة من المصالح الحقيقية للناس، واضحة المطالب، محددة الأهداف، وغير مثقلة بكل القضايا السياسية التي تتجاوز قدرتها.