الساعة التاسعة والنصف صباحاً، والمكان هو إحدى رياض الأطفال في ضواحي مدينة ووهان.
يقف طفل في الرابعة من عمره أمام موقد صغير، وبيديه الغضتين يحاول تقليب قطعة من عجين اليقطين في الزيت. يحترق العجين قليلاً، وقبل أن تنطق المعلمة بحرف، يتردد صوت طفل آخر، أكبر منه بعامين: «لا بأس، إنها محاولته الأولى فقط».
يفتح هذا المشهد الخاطف نافذة على فلسفة تربوية متكاملة؛ فالأمر ليس مجرد «درس في اللطف»، أو بالممارسة العملية، بل هو ثمرة نظام متكامل مصمم ليكون التعاطف والتعاون والحس بالمسؤولية استجاباتٍ عفوية تمارَس بوصفها أسلوب حياة.
يعتمد الصينيون في منظومتهم التربوية/التعليمية، وخاصة في المراحل ما قبل الجامعية، على تراكب بين ثلاث طبقات متكاملة، تعنى كل واحدة منها ببعد محدد من أبعاد التكوين الإنساني: (هندسة البيئة، العلاقات بين الأعمار، التجربة الحسية).
في هذه المادة، نلقي الضوء على هذه الأبعاد عبر تطبيقات وأمثلة حقيقية، وبشكل مختصر، ليس لنضيء على أحد الجوانب المضيئة من النموذج الصيني فحسب، بل وأيضاً لنفتح باب التعلم والاستفادة منه عندنا، إنْ لم يكن الآن، ففي أقرب وقت ممكن...
الطبقة الأولى: هندسة البيئة (الانسجام والفرح)
في مدرسة «هونغ غو تان آن فونغ» بمدينة نانتشانغ، لا توجد حصة دراسية تحت مسمى «حصة الأخلاق»؛ فالقيم لا يجري تلقينها عبر محاضرات ومواعظ نظرية، بل عبر فضاء متناغم يربط بين المدرسة والأسرة والمجتمع.
الطفل لا يحتاج لتعريفات نظرية لمعنى «التعاون» على سبيل المثال، بل إلى ممارسة فعلية للتعاون. وضمن هذا الفهم، فإن الفلسفة الصينية في التربية والتعليم، تعتمد مفهومي الانسجام والفرح بوصفهما مفهومين أساسيين في عملية التربية. الانسجام (和) يقوم على أربعة أبعاد: الانسجام مع الذات، مع الآخرين، مع الطبيعة، ومع المجتمع ككل. أما الفرح (乐)، فليس المقصود به ترفيهاً عابراً، بل متعة عميقة نابعة من المشاركة والتغلب المشترك على الصعوبات والتحديات.
ولكن كيف تتحول هذه الفلسفة إلى تطبيق عملي؟
في رياض أطفال بلدية فولينغ بمدينة تشونغتشينغ، يتم طرح سؤال جوهري: ماذا لو تحولت المشكلات اليومية الطبيعية التي تواجهنا إلى منهج تعليمي؟ عندما ينشب نزاع بين طفلين على لعبة، لا يتدخل المعلم ليمارس دور القاضي، بل يترك الفضاء للأطفال أنفسهم ليبتكروا حلاً وليبحثوا عن مخرج. هذا التوجه يتم تلخيصه تحت شعار عام هو: «حل المشكلات الصغيرة، هو الطريق لبناء المنهج الكبير».
تعكس الأرقام الآثار الفعلية لهذا الأسلوب التربوي؛ حيث ارتفع معدل استقلالية الأطفال بعد تطبيق هذا النموذج من 58% إلى 89%، بينما تراجعت حوادث الاحتكاك والصراع بين الأطفال بنسبة 70%.
ولا تتوقف هذه البيئة التربوية عند حدود المدرسة، بل يتم إشراك الأسر في «مهام ملموسة» ينجزونها مع أطفالهم داخل المدرسة وخارجها: كجمع الملابس وإرسالها لأطفال المناطق الريفية، والاشتراك في فرز النفايات، وفي الرحلات والنشاطات الترفيهية. على سبيل المثال، بعد ثلاثة أشهر من إطلاق برنامج «القراءة الأسرية المشتركة»، قفزت نسبة مشاركة أولياء الأمور من 35% إلى 70%، ناهيك عن ازدياد اهتمام الأطفال أنفسهم بالقراءة داخل وخارج المدرسة.
المدرسة هنا لا تؤدي دور «ناقل القيم»، بل تعمل كعقدة اتصال تشبك البيت بالحي وبالمجتمع كنسيج واحد؛ فالطفل لا يتعلم قيم التعاون لأن المعلم أخبره بأهميتها، بل لأنه يمارسها عملياً، ويعرف أن عدداً كبيراً من المهام لا يمكن إنجازه إلا بالتعاون، الذي بدوره يحقق التواصل، ويجلب المتعة عبر الوصول المشترك إلى الأهداف.
الطبقة الثانية: العلاقات بين الأعمار (اللعب المشترك)
في مدرسة شتشوانغ بمدينة نانجينغ، تم إلغاء الفصل التقليدي بين الطلاب على أساس السن؛ حيث يتم دمج طفل في الخامسة من العمر مع آخر في الثالثة في مساحة لعب واحدة؛ والهدف بناء علاقة تبادلية يتعلم فيها الكبير رعاية الصغير وتحمُّل المسؤولية تجاهه، ويتعلم فيها الصغير احترام الكبير.
الطفل الأصغر يتعلم بالملاحظة والمحاكاة وبناء الثقة، بينما يتدرب الأكبر على الصبر، وتحمل المسؤولية، والقيادة المتعاطفة، وهي قيم ومهارات لا يمكن تعليمها بالتلقين والمواعظ.
في مدرسة تجريبية بمدينة نايجيانغ، تم إنشاء «أندية مختلطة» مثل نادي «النجارة» ونادي «البناء». في نادي البناء، يتناقش طفل في الخامسة مع آخر في الرابعة حول الأسلوب الأفضل لتشييد «قلعة الصداقة». وفي نادي النجارة، يعرض الطفل الأكبر على الأصغر كيفية إمساك المطرقة واستخدامها، ويترك له المساحة ليجرب بنفسه.
الملفت ضمن هذه المنظومة، هو الآليات المبتكرة لمعالجة العقبات وحل المشكلات:
في إحدى مدارس سوتشو، عبَّر الأطفالُ الأكبر سناً عن تحدٍّ واجه بعضَهم خلال نشاط مشترك لبناء برج مع أطفال أصغر منهم ضمن مجموعات كلٌّ منها يتكون من طفل صغير وطفل أكبر منه، ينادي كل منهما الثاني بأخي الصغير وأخي الكبير. الأطفال الأكبر عبروا عن المشكلة بالقول: «أريد أن أعلم أخي الصغير بناء البرج، لكنه يهدمه باستمرار، وهذا يزعجني». الأطفال الصغار عبروا بالقول: «بناء البرج صعب، وصوت انهياره ممتع؛ كل ما أريده هو أن ألعب مع أخي الكبير فقط».
أسست المدرسة نفسها ما أسمته «محطة الأخ الكبير»، وهي مساحة يتدرب فيها الأطفال الكبار على أساليب تواصل أكثر مرونة، ويتبادلون خبراتهم بعد التجربة: يتعلمون اختيار كلمات أبسط، واستخدام إشارات أوضح، وابتكار ألعاب تجذب انتباه الصغار... بالمحصلة، فإن التعاطف تتم ترجمته هنا كمهارة تتطلب المران، وليس مجرد شعور عاطفي أو أخلاقي مجرد.
يسمي التربويون هذا النموذج التعليمي، بـ«التطور المتبادل»؛ فالأصغر يكتسب الثقة والشعور بالأمان، والأكبر ينمّي قدرتَه على فهم احتياجات الآخر وعلى التكيُّف معها... والتطوُّر المتبادل بهذا المعنى، هو دعامة أساسية من دعائم بناء مجتمع متماسك.
يتبع