لا يمكن قراءة وفهم ما يجري في بلدنا من أزمات متراكمة ومتصاعدة على مختلف الصعد، دون استيعاب الاتجاهات العامة للصراع الشرس وغير المسبوق في امتداده وعمقه، الجاري على الساحة الدولية والإقليمية.
سواء كان الحديث هو عن مضيق هرمز والحرب على إيران، أو عن تجدد وتصاعد الحرب على اليمن وضمنه، أو كان عن الصراع المتصاعد في أوكرانيا، فإن الاتجاهات العامة المشتركة، تتلخص فيما يلي:
أولاً: التراجع الغربي والأمريكي مستمر ويزداد تسارعه؛ اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، والأزمة المرافقة للانتخابات القادمة في كل من الولايات المتحدة والكيان «الإسرائيلي»، ليست أكثر من مؤشر عن «أزمة حكم» عامة وشاملة، لا تخصهما وحدهما، بل امتدت وستمتد لكل دول المركز الغربي الذي يفقد موقعه وهيمنته العالمية بشكل متسارع، لمصلحة القوى الدولية والإقليمية الصاعدة، وعلى رأسها الصين وروسيا.
ثانياً: ضمن عملية التراجع العامة، وكنتيجة مباشرة للهزيمة في الحرب على إيران، فإن الولايات المتحدة ستخرج عسكرياً من كامل منطقتنا، وضمن آجال غير بعيدة. وهي عملية قد بدأت بالفعل في العراق وفي عدد من الدول الخليجية، على شكل انسحاب كامل أو جزئي، أو على شكل تجميد لنشاط القواعد التي أصبحت خارج الخدمة عملياً، ناهيك عن الانسحاب من البحار والمحيطات إلى مسافات يحددها مدى الصواريخ الإيرانية!
ثالثاً: في ظل الانسحاب الأمريكي، فإن المنظومة الإقليمية السابقة المحكومة غربياً/أمريكياً/«إسرائيلياً»، باتت ميتة سريرياً، وعملية دفنها جارية على قدم وساق بالتوازي مع ولادة منظومة إقليمية جديدة. واتفاق مكة الثلاثي من جهة، والوساطات الصينية والروسية التي تلوح في الأفق لمعالجة الحرب في اليمن من جهة ثانية، سيكونان أدوات فاعلة في إرساء أسس المنظومة الإقليمية الجديدة، التي ستقوم على التعاون بين مختلف القوى الإقليمية الكبرى في الإقليم، وبالضد من مشروع «إسرائيل العظمى».
موقع سورية؟
في ظل هذه الاتجاهات العامة، يصبح من المفهوم أن «الإسرائيلي» يعمل بنشاط هستيري لمنع المنظومة الجديدة من الولادة، ويعمل لتوجيه الضربات بأكبر وحشية ممكنة على الخواصر الرخوة للمنطقة، وبلدنا سورية، في حالته الراهنة هو، للأسف، خاصرة رخوة.
في هذا السياق، يمكن فهم الوقاحة غير المسبوقة لبعض الشخصيات في منطقتنا وبلدنا، في التعبير العلني عن ولائها للكيان، ولنتنياهو تحديداً، وهو أمر يحرقها ويحرق مستقبلها السياسي.
وفي السياق نفسه يمكن فهم ما يتم افتعاله من صراعات وتفجيرات داخلية على أسس طائفية وقومية ودينية، كالتي جرت خلال الأسبوعين الماضيين في الجزيرة السورية وفي المناطق الوسطى.
ويخطئ المرء حين يتعامل مع هذه الأحداث وما يشابهها، بوصفها مجرد «مؤامرة خارجية»؛ فهنالك في الداخل، وفي جميع الأطراف من يعمل على تغذيتها، ويستفيد منها، وخاصة الفاسدون والحرامية الكبار، القديمون والمستجدون، الذين يرون في وحدة الشعب السوري أكبر خطر يمكن أن يواجههم.
تندرج في هذا الإطار سياسات عامة تتبناها السلطة، وجهاتٌ محددة ضمنها، وخاصة في المجال الاقتصادي، عبر ربط البلاد ومصيرها بالخارج و«مستثمريه»، واعتبار مركز الحل خارج البلاد لا داخلها، وبالاعتماد والاستناد إلى قوى خارجية، وبالضد من مصلحة أكثر من 90% من السوريين المفقرين، والذين يزداد فقرهم يوماً وراء الآخر نتيجة السياسات المتبعة.
إن هذا النمط من السياسات، وفي ظل هكذا وضع إقليمي ودولي متفجر، يعني دفع البلاد نحو انفجار شامل أكيد، ويعني إعادة فتح باب الاقتتال والتقسيم والخراب العام مجدداً...
الحل كان وما يزال داخلياً بالدرجة الأولى، وسياسياً بالدرجة الأولى، يقوم على إنفاذ حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه، عبر تغيير جذري وشامل يؤدي إلى تفعيل حقيقي لمبدأ «السلطة للشعب وبه ومن أجله».
والمدخل السليم نحو الحل، كان وما يزال في حكومة وحدة وطنية تتولى تشكيل وعقد مؤتمر وطني عام كامل الصلاحيات، يعيد السوريون من خلاله كتابة عقدهم الاجتماعي، وصياغة مستقبلهم على أساس المواطنة المتساوية لكل السوريين، وعلى أساس العدل الاجتماعي وكرامة الإنسان.