ومن هنا، يمكن النظر إلى المأزق السوري الراهن ليس من زاوية الصراع على السلطة أو الحدود أو الموارد فقط: بل أيضاً بالسؤال عن: ماذا حلّ بالفكرة التي كان يمكن أن تجمع السوريين، وكيف، ومن ؟
لم تكن المشكلة يوماً في التنّوع بحد ذاته، بل كان التنوع سِمة رافقت تشكل الدولة السورية الحديثة، تنوعاً في الدين والمذهب والانتماء القومي، وفي الموقف السياسي، واختلافاً في المصالح الاجتماعية، والاختلاف بحد ذاته ليس مشكلة؛ بل هو حقيقة أي مجتمع حي. المشكلة تبدأ عندما يتم تحويل هذه الاختلافات من تنوع داخل المجال الوطني الواحد إلى هويات متنافسة، يتم تقديم كل منها على أنه تهديد للأخر.
وهنا تكمن إحدى أخطر ما أفرزته سنوات الصراع في سورية وحولها: لم تكتف الحرب بتدمير البيوت والمؤسسات والاقتصاد، بل أصابت أيضاً المجال المشترك في الوعي. حيث فرض على قطاع واسع من السوريين أن يرى بلده من خلال موقعه في الصراع: منطقة مقابل منطقة، وجماعة مقابل جماعة، وضحية مقابل ضحية، وسردية مقابل سردية، وعلماً مقابل علم، وأصبح السؤال: «من نحن؟» في كثير من الأحيان منفصلاً عن سؤال: «ماذا نريد أن نبني معاً؟».
وقد ساهمت قوى الصراع، بدرجات مختلفة، في هذا التحول. فالسلطة البائدة عملت طويلاً على إفراغ المجتمع من السياسة، وتقزيم الوطنية إلى ولاء للسلطة، بحيث يصبح الدفاع عن الدولة مشروطاً بالدفاع عن النظام. وفي المقابل، بادرت قطاعات من المعارضة إلى الاحتماء بهويات فرعية، بينما استخدمت قوى مسلحة وسياسية مختلفة الانتماءات القومية، أو الدينية، أو المناطقية، لتعبئة أنصارها وتعزيز مواقعها. وجاء الخطاب الطائفي السافر، و جرائم الساحل، والسويداء لتعزز ذلك، ومع تعدد القوى المحلية والإقليمية والدولية، تحولت سورية تدريجياً إلى فضاء تتقاطع فيه مشاريع متعددة، لكل منها سرديتها ومصالحها وأدواتها. حتى وصل الوضع الى نوع من التشظي، وبالتالي، تعدد مراكز النفوذ تلقفته القوى الدولية والاقليمية، وعملت وتعمل على ترسيخه في المجال العام.
حتى وجد قسم من السوريين أنفسهم، بفعل الخوف والتهجير والعنف وانهيار المؤسسات، يبحثون عن دوائر أمان وهمية أصغر: العائلة والعشيرة، والطائفة، والقومية، والمنطقة، أو الجماعة السياسية. وفي ظروف انعدام الأمن وانهيار الثقة، تبدو هذه الدوائر أكثر واقعية وأماناً من فكرة وطنية مجردة لا توفر حماية ولا عدالة ولا حقوقاً.
وهنا ينبغي الانتباه إلى مسألة أساسية: لا يمكن إعادة بناء الوطنية السورية بالشعارات وحدها. لا يكفي أن نقول للسوريين: «أنتم شعب واحد» بينما يشعر قسم منهم أنه غير متساوٍ مع غيره، أو أن حقوقه مهددة، أو أن ذاكرته ومظالمه يجري إنكارها. الفكرة الجامعة لا تعود إلى الوعي بقرار إداري، وإنما عندما تصبح لها ترجمة ملموسة في الحياة اليومية.
ولهذا، إن إعادة بناء الوعي الجمعي السوري تبدأ من:
أولاً: إعادة تعريف الوطنية نفسها. الوطنية ليست إنكاراً للهوية الكردية أو العربية أو السريانية، وليست إلغاءً للتنوع الديني والمذهبي، وليست مطالبة السوري بالتخلي عن ذاكرته المحلية. الوطنية الحديثة تعني أن تكون هذه الانتماءات جزءاً من المجال السوري لا بديلاً عنه؛ وأن يكون الانتماء الوطني إطاراً سياسياً يضمن المساواة والحقوق، لا هوية أحادية: قومية أو دينية او مذهبية مفروضة من فوق.
ثانياً: تحتاج سورية إلى سردية وطنية جديدة، لا تقوم على تمجيد الماضي، أو إنتاج رواية رسمية بديلة، وإنما على الاعتراف بتعدد التجارب والمظالم.
لا يمكن بناء مستقبل مشترك إذا كان كل طرف يطالب الآخرين بنسيان ما حدث له. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تتحول الذاكرة إلى أداة دائمة لإعادة إنتاج الصراع. المطلوب هو: الانتقال من تنافس المظلوميات إلى الاعتراف المتبادل بها، ومن سؤال: (من كان على حق؟) إلى سؤال: (كيف نضمن ألا يتكرر ذلك؟).
ثالثاً: لا بد من إعادة بناء المؤسسات التي تجعل المواطن يختبر الوطنية بوصفها حقاً وممارسة، لا مجرد خطاب. المدرسة التي تجمع أبناء المناطق والمكونات المختلفة، والإدارة التي تعامل المواطنين على قدم المساواة، والقضاء المستقل، والإعلام الذي لا يحرض على الكراهية، والانتخابات التي تسمح بالتنافس السياسي السلمي، كلها أدوات لإعادة بناء الوعي الجمعي، أكثر فاعلية من عشرات الخطب عن الوحدة الوطنية والأخوة وما الى ذلك. وتؤكد وقائع كثيرة في سورية: أن الانتماء الوطني ما زال يحمل قيمة عاطفية لدى قطاعات واسعة، لكنه فقد في أماكن كثيرة- وخصوصاً في الأرياف المهمّشة- قدرته على العمل كمرساة عملية في الحياة اليومية، لمصلحة روابط الأسرة والعشيرة والمجتمع المحلي.
والأهم، أن الفكرة الجامعة لا ينبغي أن تكون فكرة «الأكثرية» التي تطلب من الأقليات أن تندمج فيها، ولا فكرة «المكونات» التي تحول كل جماعة إلى كيان سياسي مغلق. إنها فكرة المواطنة المتساوية: السوريون مختلفون في أصولهم ومعتقداتهم، لكنهم متساوون في الحقوق والواجبات، والدولة ملك لجميع مواطنيها، وليست ملكاً لجماعة، أو منطقة، أو حزب.
لقد كشفت السنوات الماضية، أن غياب - تغييب الفكرة الجامعة يترك المجتمع مكشوفاً أمام كل القوى التي تستطيع الاستثمار في الخوف. وكلما ضعفت الثقة بالمستقبل المشترك، أصبح من السهل إقناع الناس بأن خلاصهم لا يمكن أن يكون إلا داخل جماعتهم الخاصة. وهكذا يتحول الخوف إلى سياسة، وتتحول السياسة إلى هويات، وتتحول الهويات إلى حدود نفسية واجتماعية، حتى قبل أن تتحول إلى حدود جغرافية.
لكن الجانب الآخر من الصورة مهم أيضاً: الفكرة الجامعة لم تمت تماماً. فبقاء شعور واسع لدى السوريين بأنهم ينتمون إلى بلد واحد، رغم سنوات الحرب والتهجير والانقسام، يعني أن ما انكسر يمكن إعادة بنائه. وتشير استطلاعات وحوارات مجتمعية حديثة إلى استمرار أهمية الهوية الوطنية لدى قطاعات واسعة، حتى مع تراجع الثقة بالمؤسسات، وتزايد الاعتماد على الروابط المحلية.
لذلك، إن المعركة الحقيقية في سورية اليوم ليست فقط حول شكل الدولة أو توزيع السلطة، بل حول أي فكرة ستسكن الوعي السوري في المستقبل...
هل ستكون فكرة الخوف من الآخر؟ أم حماية الجماعة في مواجهة الجماعات الأخرى؟ أم الارتهان لمشروع إقليمي؟ أم استعادة الماضي بكل صراعاته؟ أم يمكن أن تولد فكرة أخرى تقول ببساطة: إن السوريين، بكل اختلافاتهم، يستطيعون أن يعيشوا في دولة واحدة، لأن لهم مصلحة مشتركة في الحرية والعدالة والكرامة والمساواة؟
إن إعادة بناء سورية تبدأ من إعادة بناء هذا المعنى المشترك، وليس المطلوب صناعة سوري جديد منزوع الذاكرة والخصوصية، بل صياغة فضاء وطني يستوعب كل السوريين. عندها فقط يصبح التنوع غنى، لا ذريعة للتفكك، وتصبح الذاكرة طريقاً إلى المصالحة، لا وقوداً لحرب جديدة؛ وتتحول الوطنية من شعار يرفع فوق رؤوس الناس إلى مشروع يشارك الناس في بنائه والدفاع عنه.
فالوطن لا يوحّد أبناءه لأنه موجود على الخريطة، وإنما لأنهم يجدون فيه فكرة تستحق أن يعيشوا معاً من أجلها.