تناول الجزء الأول من هذه المادة، طبقتين من ثلاث طبقات ضمن فلسفة التربية الصينية، هما: هندسة البيئة (الفرح والانسجام)، والعلاقات بين الأعمار (اللعب المشترك). وفي الجزء الثاني والأخير من هذه المادة، نتناول الطبقة الثالثة: التجربة الحسية، وأحد تطبيقاتها العملية (المطبخ الفوضوي).
الطبقة الثالثة: التجربة الحسية (المطبخ الفوضوي)
تضم مدرسة شوغو في مدينة ووهان الصينية مساحة ممتدة على 4000 متر مربع مخصصة للزراعة، وتربية الدجاج، والطهي. يطلق عليها الأطفال اسم «المطبخ الفوضوي»، وهو اسم لعبة فيديو شهيرة في الصين، تتطلب التنسيق والعمل الجماعي لإعداد أطباق معينة من الطعام ضمن وقت محدد.
«الفوضى» هنا، ليست فوضى عبثية؛ ولكنها فوضى محكومة بغايات تعليمية وتربوية؛ فالأطفال هم من يزرعون الخضروات في حديقتهم المدرسية، وهم من يعتنون بها وثم يحصدونها، وهم أيضاً من يطعم الدجاج ويجمع البيض، وصولاً إلى خوض تجربة الطهي بأنفسهم... وأما المعلمون فهم مشرفون «من بعيد» إن صح القول؛ أي أنهم يتدخلون بالحدود الدنيا في العملية ككل، ويتركون للأطفال أوسع مساحة ممكنة ليمارسوا مختلف أنواع الألعاب والأعمال ضمن حديقتهم ومطبخهم، بحيث يقتصر دورهم الأساسي على المحافظة على أمن الأطفال وسلامتهم من جهة، وعلى مساعدتهم في بناء العلاقات فيما بينهم لحل المهام المطلوبة.
في «المطبخ الفوضوي»، الذي يعتمد أيضاً آلية الدمج بين أعمار مختلفة متقاربة، حين يفشل طفل صغير في إعداد طبق من الأطباق، يدافع عنه «أخوه» الأكبر؛ أي الطفل الأكبر المسؤول عن رعايته، ويشرح للآخرين، أن هذه هي «محاولته الأولى، لا بأس، سيتمكن من النجاح في المرات القادمة».
أين تكمن القيمة التربوية في ذلك؟
تكمن القيمة التربوية والتعليمية في تجربة المطبخ الفوضوي، في أن «رعاية الآخرين» لا تُطرح كمفهوم مجرد، ولا يتم تلقينها للطفل عبر مصطلحات وكلمات مجردة، بل عبر الممارسة العملية؛ فالطفل يرعى كائناً حياً، كالنبتة أو الدجاجة، ويلمس نتائج اهتمامه أو تقصيره بشكل مباشر؛ فإذا نسي إطعام الدجاج، لا يتعرض للعقاب، لكنه يعاين جوعها بعينيه. وعندما يشارك في طهي وجبة، يدرك أن نجاح العمل يتطلب تضافر الجهود، وأن الخطأ في إعداد طبق ليس نهاية المطاف، بل بداية جديدة للتعلم.
في الوقت نفسه، فإن الطفل الأكبر سناً، يتعلم كيف يعطف على الأصغر ويساعده ويعاونه، والطفل الأصغر يتعلم كيف يحترم الأكبر سناً ويعتمد عليه، ويتعلم كلاهما كيف يتم بناء الثقة وتعزيزها.
في مدرسة أخرى بمقاطعة آنهوي، يبيع الأطفال المحاصيل التي زرعوها بأيديهم، ويستثمرون عوائدها في شراء مياه معدنية يوزعونها على عمال النظافة، ورجال الأمن، وسائقي التوصيل. ليست هذه الممارسة «عملاً خيرياً» بالمعنى السطحي، بل هي تجربة مدروسة للتعرف على نسيج المجتمع ومعنى الاعتماد المتبادل بين أفراده.
منظومة متكاملة لا مجرد «أنشطة ترفيهية»
هذه الطبقات الثلاث مجتمعةً، ليست مجرد أنشطة جانبية يُمكن إقحامها في أي منهج، بل هي جوهر أساسي ضمن المنهج وضمن نسيج تربوي واحد:
الطبقة الأولى: (هندسة البيئة): تهيئ الظروف التي تجعل ممارسة القيم ضرورة واقعية وليست مجرد خيار أخلاقي.
الطبقة الثانية: (العلاقات بين الأعمار): تستثمر التفاوت الطبيعي في الأعمار لخلق ديناميكية يُنمي فيها الأكبر حس الرحمة، ويستمد منها الأصغر شعور الثقة.
الطبقة الثالثة: (التجربة الحسية): تُوفر المادة الملموسة للتجربة الأخلاقية؛ من رعاية كائن حي، إلى إنجاز عمل جماعي، إلى مواجهة التعثر بشجاعة.
تتآزر هذه الطبقات لتبني لدى الطفل منظومة أخلاقية وسلوكية ذات قيم عالية، قائمة على التعاون والتكافل والتضامن والرحمة والثقة والمحبة وتحمل المسؤولية.