Skip to main content

افتتاحية قاسيون 1300: الموجة العالمية الثانية... بدأت للتو!

 |  قاسيون  |  سياسة

بلغ عدد المحتجين في مظاهرات يوم السبت 17 تشرين الأول في فرنسا، 800 ألف محتجاً وفقاً للمنظمين، و550 ألفاً وفقاً لوزارة الداخلية الفرنسية، وذلك في اليوم رقم 31 من انطلاق هذه الاحتجاجات، التي بدأت بطلاب المدارس وامتدت لتشمل فئات أوسع فأوسع من المجتمع الفرنسي، ضمت المعلمين وأهالي الطلاب وحركة «السترات الصفراء»، إضافة إلى عمال ونقابات عمالية وموظفين في قطاعات مختلفة.

بالتوازي، وخلال الأسبوعين الماضيين، امتدت الحركة الاحتجاجية إلى كل من بلجيكا وألبانيا وإيطاليا والبرتغال، وهنالك مؤشرات واضحة على أن الاحتجاجات يمكن أن تشمل كل دول القارة الأوروبية، إضافة إلى انطلاقٍ موازٍ لاحتجاجات «لا للملوك» في الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة، والتي من المتوقع أيضاً أن تتوسع.  لعب تراجع أوضاع المدارس في فرنسا، من حيث الخدمات وعدد المعلمين وإلخ، دور الشرارة التي فجرت الحركة الجماهيرية، ولكن الأسباب العميقة لها أوسع من قطاع التعليم، وتشمل القطاعات المختلفة، ليس في فرنسا وحدها، ولكن في الغرب ككل، بل وفي العالم بأسره، ويمكن تكثيفها بما يلي:

أولاً: ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، ومع تبني ما سمي «الليبرالية الجديدة»، بدأت في أوروبا كلها، عملية منظمة لتقليص دور الدولة الاجتماعي، ولتقليص الإنفاق الاجتماعي، بالاستفادة من التراجع الذي كان قد بات واضحاً للاتحاد السوفياتي. ومن ثم تسارعت العملية بعد انهياره مع غياب النموذج المنافس من وجهة نظر الطبقة العاملة، وتسارعت بشكل إضافي مطلع القرن الحالي، ومن ثم دخلت طوراً جديداً من التسارع الحاد مع حرب أوكرانيا وزيادة «الإنفاق الدفاعي» على حساب الإنفاق الاجتماعي.
ثانياً: بالتوازي، جرى تعميم قسري لليبرالية الجديدة على عدد كبير من دول «العالم الثالث» تحت مسميات مختلفة بينها «اقتصاد السوق الحر» و«اقتصاد السوق الاجتماعي» و«الإصلاح الهيكلي» وإلخ... ما أدى إلى إضعاف هذه الدول بشكل إضافي، وإلى إيصالها نحو انفجارات اجتماعية واسعة، كما جرى منذ 2010 وحتى الآن، ضمن ما يمكن تسميته بالموجة الأولى من الحراك الشعبي العالمي.
واهمٌ من يظن أن ما يجري في أوروبا اليوم، أو في الولايات المتحدة، يخص الغرب وحده؛ فما يجري في جوهره هو تعبير عن انتهاء الصلاحية التاريخية لمجمل المنظومة العالمية القائمة، بشكلها الرأسمالي المتوحش الذي يركز السلطة والثروة في أيدي قلةٍ قليلة من أصحاب المليارات، على حساب دماء وجوع وعذابات مليارات البشر في مختلف أنحاء العالم.
وضمناً، فإنه واهم من يظن أن «الربيع العربي» قد انتهى إلى غير رجعة، فما جرى حتى الآن هو الموجة الأولى فحسب، والموجة الثانية باتت قريبة وستشمل الجميع، وستكون أكثر وعياً وتنظيماً من الموجة الأولى؛ فما يعلّمنا إياه التاريخ عبر 250 سنة الماضية، هو أن الحركة الشعبية حين تخرج إلى الشارع نتيجة تراكم المشكلات غير المحلولة، فإنها لا تعود إلى السكون الكامل إلا بعد تحقيق تغيير كبير في كامل المنظومة. وضمن مرحلة نشاطها التي قد تمتد عقوداً، تتحرك ضمن موجات صاعدة وهابطة، ولكن ميلها العام هو المزيد من الصعود، المزيد من التنظيم، المزيد من الوعي، حتى تحقيق الأهداف التي جوهرها: التغيير الجذري الشامل.
المعادلة التي ينبغي فهمها، هي أن حماية الحركة الشعبية الممثلة للمنهوبين، ومساعدتها على تنظيم صفوفها على أساس مصالحها المشتركة الاقتصادية-الاجتماعية والوطنية والديمقراطية، وبعيداً عن أي انقسامات مدمرة، طائفية أو قومية أو دينية، هو الطريق الأقصر والأكثر أماناً للشعوب والدول على حد سواء، وهذا ينطبق على بلدنا سورية بقدر ما ينطبق على الآخرين، وأكثر...

RSS   افتتاحية قاسيون   الحرب   سورية    فرنسا