اعتبر المحللون والمراقبون أن انتخابات التجديد النصفي الأمريكي التي جرت الثلاثاء الماضي هزيمة كبرى للحزب الجمهوري وانتصاراً تاريخياً للحزب الديمقراطي، حيث نجح الديمقراطيون في تحقيق مكاسب انتخابية كبيرة، وانتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وكذلك في انتخابات حكام الولايات، في ضربة سياسية لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب، وسط تصاعد الاستياء الشعبي من التضخم، وارتفاع تكاليف المعيشة، والحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران.
وشهدت هذه الانتخابات تغييرات تاريخية؛ فعلى سبيل المثال: انتخبت ولاية تكساس لأول مرة منذ 1988 ديمقراطياً لمجلس الشيوخ، وأول حاكم ديمقراطي منذ 1990، وكذلك ولاية كانساس، التي انتخبت ديمقراطياً لمجلس الشيوخ لأول مرة منذ 1932، وتم انتخاب أول امرأة من أصول أفريقية كحاكمة، وذلك في ولاية جورجيا، وأول مسلم لمجلس الشيوخ، وهو مصري الأصل – عبد الرحمن السيد – في ولاية ميشيغان.
لكن حصر نتائج الانتخابات في إطار الصراع التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، وحتى في بعض هذه الأمثلة والسوابق التاريخية، يُغفل جانباً آخر بالغ الأهمية من المشهد السياسي الأمريكي. فمن بين أكبر الخاسرين في هذه الانتخابات: الكيان، ولجنة الشؤون العامة الأمريكية «الإسرائيلية» أو «AIPAC» / «إيباك»، والشريحة ضمن المنظومة والمنظمات السياسية المؤيدة «لإسرائيل»، والتي استثمرت موارد مالية وسياسية ضخمة لضمان الحفاظ على الدعم الأمريكي غير المشروط والهائل للكيان.
هذه الانتخابات لا تتعلق فقط بالحزب الذي فاز بأغلبية مقاعد الكونغرس، بل بتراجع قدرة شبكة ضغط سياسية نافذة على تحديد المرشحين الذين يصلون إلى هذه المقاعد، ومنع آخرين من الفوز، ورسم الحدود التي يمكن للسياسيين الأمريكيين تجاوزها عند انتقاد سياسات الكيان، أو المطالبة بتغيير طبيعة العلاقة الأمريكية «الإسرائيلية» والدعم السياسي والعسكري والاقتصادي والدبلوماسي الذي يتلقاه الكيان من واشنطن.
دعم «إيباك» لم يعد قادراً على ضمان النتائج الانتخابية
لطالما كانت «إيباك» واحدة من أكثر الجهات نفوذاً في واشنطن وتأثيراً في سياساتها والشخصيات التي تصل إلى مراكز صنع القرار. فمن خلال أذرعها وشبكات المانحين والمنظمات المتحالفة معها، استثمرت «إيباك» مبالغ هائلة في الانتخابات التشريعية الأمريكية. وتقوم استراتيجيتها على مبدأ أساسي وواضح: دعم المرشحين الذين يضمنون استمرار الدعم السياسي والعسكري للكيان، واستهداف المرشحين الذين يهددون- أو يمكن أن يهددوا- هذه العلاقة، أو يدعون إلى إعادة النظر فيها.
لكن هذه الانتخابات كشفت إخفاقات لهذه الاستراتيجية. فوفق مقال نشره موقع «Responsible Statecraft»، أنفقت لجنة مشروع الديمقراطية المتحدة التابعة لـ «إيباك»، إلى جانب لجان وجهات أخرى مؤيدة للكيان، نحو 84,1 مليون دولار في سباقات انتخابية حُسمت نتائجها وقت إعداد التقرير، وذهب أكثر من 55 مليون دولار منها – أي حوالي الثلثين – إلى سباقات انتهت بخسارة المرشحين الذين كانوا مفضلين، أو مدعومين من هذه اللجان.
وهذا تغيّر ملموس عما كان سائداً، من أن دعم «إسرائيل» لم يكن فقط خياراً في السياسة الخارجية الأمريكية، بل خياراً سياسياً مضمون العوائد انتخابياً. إلا أن صحة هذه المعادلة تم اختبارها ونفيها بموجب نتائج هذه الانتخابات.
أمثلة عن بعض المرشحين الذين دعمتهم «إيباك» وخسروا الانتخابات
فيما يلي أبرز الأمثلة لسباقات انتخابية حاولت «إيباك» الدفع باتجاه مرشحين فيها، وأنفقت ملايين الدولارات مع المرشحين «المرغوبين» وضد المرشحين «غير المرغوبين»، وكانت النتيجة خسارة «إيباك» رغم الدعم الكبير لمرشحيها، أو ضد المرشحين الآخرين.
١- ولاية ميشيغان
قد يكون عبد الرحمن السيد، المرشح من الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ من ولاية ميشيغان، أبرز مثال. حيث هزم السيد في الانتخابات، المرشح من الحزب الجمهوري مايك روجرز. لكن قصته بدأت خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي نفسه، والتي استثمرت فيها «إيباك» أكثر من 30 مليون دولار في محاولة لمنع السيد من الفوز بالترشح عن الحزب الديمقراطي، ودعمت النائبة الديمقراطية السابقة هالي ستيفنز، المعروفة بمواقفها المؤيدة للكيان. ورغم حجم الإنفاق، إلا أن السيد تمكن من هزيمة ستيفنز في الانتخابات التمهيدية. وبعد فوزه بالترشيح الديمقراطي، وجهّت «إيباك» نحو 9 ملايين دولار إلى مجموعة تدعم المرشح الجمهوري روجرز، وفقاً لمقالة نشرتها صحيفة «واشنطن بوست». لكن السيد فاز في الانتخابات العامة أيضاً.
هذه النتيجة تُظهر أن التدخل المالي لـ «إيباك» لم يكن محدوداً بحزب، أو مرشح معين، بل كان موجهاً ضد السيد، المعروف بمواقفه الصريحة ضد «إسرائيل» وسياسات الدعم الأمريكي لها، لذلك كان التدخل في الدعم في المرحلتين الانتخابيتين، مرة للمرشحة الديمقراطية في الانتخابات التمهيدية، ومرة للمرشح الجمهوري في الانتخابات العامة. ومع ذلك، تمكن السيد من مواجهة الضغوط المالية الموجهة ضده من «اللوبي» المؤيد للكيان، وتحقيق الفوز.
٢- ولاية إلينوي
يوجد مثالان من هذه الولاية، والتي أنفقت فيها جهات مرتبطة بـ «إيباك» ملايين الدولارات في محاولة لمنع وصول مرشحين مناهضين للكيان وسياساته، أو السياسات الداعمة له، ودعم مرشحين داعمين للكيان.
ففي الدائرة التاسعة في الولاية لمقعد مجلس النواب عن الدائرة، خسرت عضوة مجلس شيوخ الولاية لورا فاين الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي أمام رئيس بلدية إيفانستون دانيال بيس. وكانت منظمات مرتبطة بـ «إيباك» قد وجهت ملايين الدولارات إلى السباق الانتخابي، بما في ذلك الإنفاق على إعلانات استهدفت بيس ومرشحين آخرين. وفي النهاية فاز بيس وهو يهودي مناهض للسياسات الداعمة للكيان، وكان قد أبدى تأييده لعبد الرحمن السيد، لا سيما خلال حملات التشهير التي استهدفته في الفترة التي سبقت الانتخابات.
وفي الدائرة السابعة في الولاية، خسرت أمينة خزانة مدينة شيكاغو ميليسا كونيرز-إرفين الانتخابات التمهيدية أمام عضو مجلس نواب الولاية لاشون فورد. وأنفقت لجنة مشروع الديمقراطية المتحدة التابعة لـ «إيباك» ما يقارب خمسة ملايين دولار على إعلانات لدعم كونيرز-إرفين.
وتكمن أهمية هذه الهزائم في أنها وقعت خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وهي الساحة التي سعت «إيباك» بصورة متزايدة إلى التأثير فيها لتوجيه الحزب نحو مرشحين أكثر التزاماً بالمواقف التقليدية المؤيدة للكيان، ووفق مقالة في صحيفة «نيوزويك»، تم إنفاق 12 مليون دولار في هاتين الدائرتين لدعم مرشحين فيها، انتهى بهما المطاف بالخسارة، وفوز منافسيهما في الانتخابات التمهيدية والعامة.
٣- ولاية كاليفورنيا
استثمرت جهات مرتبطة بـ «إيباك» ما يقارب 5 ملايين دولار دعماً لحملة المرشحة ميليسا هيرنانديز، مقابل عائشة وهاب، خلال الانتخابات الخاصة في الدائرة 14 في كاليفورنيا لمقعد مجلس النواب، لكن هيرنانديز خسرت السباق الانتخابي. وكانت وهاب قد صرحت في عدة مفاصل بأن ما يحصل في غزة «إبادة».
٤- ولاية مين
مثال آخر يأتي من ولاية مين في أقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، حيث تمكّن المرشح الديمقراطي
تروي جاكسون – وكان سابقاً في مجلس شيوخ الولاية ومعروف بانتقاداته الحادة «لإسرائيل» – من هزيمة المرشحة الجمهورية سوزان كولينز، والتي شغلت مقعد الولاية في مجلس الشيوخ الأمريكي على مدى 29 عاماً. وكانت كولينز من الداعمين الثابتين «لإسرائيل» خلال السنوات التي كانت فيها عضوة في مجلس الشيوخ، بينما عبّر جاكسون علناً عن انتقاده للدعم العسكري الأمريكي غير المشروط وللسلوك «الإسرائيلي» في غزة.
«إسرائيل» تخسر حمايتها السياسية التقليدية العابرة للحزبين في واشنطن
إن التطور الأكثر أهمية لا يتمثل فقط في خسارة «إيباك» لبعض السباقات الانتخابية، بل في التغير الذي يشهده المناخ السياسي الأمريكي المرتبط «بإسرائيل»؛ فعلى مدى عقود، كان دعم «إسرائيل» يحظى بشبه إجماع سياسي داخل واشنطن، عابر للحزبين الجمهوري والديمقراطي. وكانت الخلافات بين الحزبين نادراً ما تمس جوهر العلاقة الأمريكية «الإسرائيلية»، خصوصاً فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية، والحماية الدبلوماسية، والتعاون الاستراتيجي. لكن هذا الإجماع يتعرض اليوم لضغوط متزايدة ويشهد تراجعاً كبيراً.
فالحرب على غزة، والتي كشفت عن الكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون، وتصاعد الاعتراضات على المساعدات العسكرية غير المشروطة، لا سيما في ظل التدهور الاقتصادي، وتراجع المستوى المعيشي للمواطن الأمريكي، واتساع نطاق المواجهة المرتبطة بإيران والحرب الأخيرة عليها غير المبررة أمريكياً، جعلت «إسرائيل» قضية أكثر إثارة للجدل في السياسة الداخلية الأمريكية. وقد نقلت انتخابات 2026 هذا التوتر بصورة مباشرة إلى المنافسة الانتخابية.
إن فوز مرشحين مستعدين لانتقاد السياسات «الإسرائيلية»، يشير إلى أن انتقاد العلاقة التقليدية مع «إسرائيل» وانتقاد «إسرائيل» نفسها وعدم تلقي دعم الكيان وأذرعه، لم يعد بالضرورة عبئاً انتخابياً، بل قد يتحول في بعض الدوائر الانتخابية إلى نقطة قوة.
واللافت أيضاً، أن هذا التحول لم يعد محصوراً في أوساط الناخبين داخل الحزب الديمقراطي. فقد ظهرت التداعيات السياسية للحرب على إيران والجدل حول العلاقة الأمريكية «الإسرائيلية» أيضاً داخل القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري.
فشل الترهيب السياسي والتدخل المالي
على مدى عقود، اعتمدت استراتيجية «إيباك» الانتخابية بدرجة كبيرة على افتراض أن الموارد المالية الضخمة قادرة على تغيير نتائج الانتخابات، ولا سيما في الانتخابات التمهيدية، حيث يمكن لفوارق محدودة في أعداد المشاركين أن تحسم هوية الفائز. وقد موّلت «إيباك» والمنظمات المرتبطة بها الإعلانات، ودعمت المرشحين، وحشدت المانحين، واستهدفت السياسيين الذين يدعون إلى تغيير السياسة الأمريكية تجاه «إسرائيل».
لكن انتخابات التجديد النصفي الأخيرة في الولايات المتحدة، أظهرت أن هذه السياسة لم تعد فعالة، بل في بعض السباقات، تحول الارتباط بـ «إيباك» نفسه إلى قضية انتخابية مثيرة للجدل. وبالفعل، قام بعض المرشحين برفض دعمها للحصول على الدعم الشعبي، بعد أن كان ذلك يُعد انتحاراً سياسياً، وآخرون كانوا يحصلون على الدعم من «إيباك» سابقاً، صرحوا بأنهم لن يقبلوا بالدعم منها.
كما وثّقت مقالة نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» حول تغطية لحملات في ولاية إلينوي استخدام منظمات مرتبطة بـ «إيباك» مجموعات تحمل أسماء لا تكشف بالضرورة بصورة مباشرة عن الجهات السياسية التي تقف وراءها، الأمر الذي يجعل من الصعب على الناخبين التعرف فوراً على الجهات الممولة للحملات.
وهذا يثير سؤالاً أوسع يتعلق بالشفافية والمساءلة الديمقراطية في تمويل الانتخابات الأمريكية: إذا كانت منظمة سياسية بحاجة إلى إخفاء هويتها، أو عدم إبراز ارتباطاتها السياسية، حتى يصبح المرشح الذي تدعمه أكثر قبولاً انتخابياً، فماذا يقول ذلك عن نظرة الجمهور إلى نفوذها السياسي؟

ما الذي تعنيه هذه النتائج عن مستقبل العلاقة بين «إسرائيل» وواشنطن؟
هذه الانتخابات لا تعني أن الدعم الأمريكي للكيان سينتهي بين ليلة وضحاها. كما أنها لا تعني أن جميع الديمقراطيين المنتخبين حديثاً يعارضون «إسرائيل»، أو أن جميع المرشحين الذين دعمتهم «إيباك» قد خسروا... بل إن المنظمة أعلنت عن نجاحها في دعم مئات النتائج الانتخابية، ولا يزال لديها نفوذ مالي كبير وستستمر في محاولة تشغيله لتحقيق مكتسبات سياسية في أمريكا.
لكن قياس النجاح الانتخابي لا ينبغي أن يقتصر على عدد المرشحين المدعومين الذين فازوا. فالسؤال الأكثر أهمية هو: هل ما زالت هذه المنظمة قادرة على الحفاظ على الإجماع السياسي الذي حمى «إسرائيل» تاريخياً من مواجهة تحديات حقيقية لسياساتها داخل واشنطن؟
تبدو الإجابة عن هذا السؤال أكثر تعقيداً، وأقل حسماً بعد انتخابات 2026.
قد تحتفظ «إيباك» بموارد مالية ضخمة، لكن البيئة السياسية التي تعمل ضمنها تغيرت، حيث أصبح تدخلها الانتخابي موضع تدقيق أكبر، وارتباطها ببعض المرشحين مثار جدل سياسي وانتقاد من قبل شريحة أوسع من الشعب الأمريكي، كما بات السياسيون الذين ينتقدون السياسات «الإسرائيلية» أكثر قدرة على الفوز في سباقات انتخابية مهمة.
وبالنسبة للحكومة «الإسرائيلية»، فإن لهذا التحول تداعيات تتجاوز بكثير تركيبة كونغرس جديد، فيه عدد أكبر من المنتقدين، ما قد يعني: زيادة الرقابة على المساعدات العسكرية المقدمة «لإسرائيل»، وتراجع الاستعداد لتوفير دعم سياسي ودبلوماسي غير مشروط «لإسرائيل».
هذه النتائج ليست حتمية، لكن الاتجاه السياسي الذي تكشفه الانتخابات يحمل دلالات مهمة.
من هذا المنطلق، ينبغي قراءة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 باعتبارها رسالة تحذير «لإسرائيل» وللمنظمات والجهات والشبكات التي استثمرت بكثافة في الحفاظ على الدعم الأمريكي غير المشروط لحكومتها.
الانتكاسة الحقيقية «لإسرائيل» ليست مجرد خسارة عدد من حلفائها داخل الكونغرس، بل تآكل الظروف السياسية التي جعلت الدعم الأمريكي غير المشروط لها، لعقود طويلة، أمراً شبه محصّن من النقاش والمساءلة في السياسة الأمريكية. أما الانتكاسة الحقيقية لـ «إيباك»، فهي أن استثماراتها المالية الهائلة لم تتمكن من منع هذا التحول، وأن قدرتها على تحديد حدود النقاش السياسي المقبول في واشنطن باتت موضع تحدٍّ، وأن مزيداً من السياسيين أصبحوا مستعدين لتجاوزها، وأن الناخبين باتوا أكثر استعداداً لدعمهم.
والسؤال المطروح الآن، ليس ما إذا كانت «إيباك» قادرة على إنفاق مزيد من الأموال في الدورة الانتخابية المقبلة، بل ما إذا كان المال قادراً بالفعل على عكس تحول سياسي بدأ يتشكل ويتوسع داخل المجتمع الأمريكي.