Skip to main content

أمريكا لم تتخل عن السعودية.. بل لم تعد قادرة على حمايتها

 |  قاسيون  |  شؤون استراتيجية

من السهل أن ننظر إلى ما يجري اليوم في أوكرانيا والشرق الأوسط باعتباره أزمتين منفصلتين، لكنني لا أعتقد أن هذا هو التوصيف الأدق. ما نراه في الواقع هو مشكلة أمريكية واحدة تظهر في مسرحين مختلفين: الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تحقيق الأهداف التي تضعها لنفسها بالقوة، لكنها ما تزال تتصرف كما لو أن ميزان القوة لم يتغير.

جون ميرشايمر


في أوروبا، وصلت روسيا إلى قناعة بأن الحرب في أوكرانيا لن تنتهي عبر اتفاق سياسي قريب، وأن الطريق الوحيد المتبقي هو الحسم العسكري. وفي الشرق الأوسط، دخلت الولايات المتحدة في مواجهة مع إيران والحوثيين، ثم اكتشفت أن قدرتها على التصعيد ليست بلا حدود، وأن حلفاءها الذين اعتادوا الاعتماد على المظلة الأمريكية قد يجدون أنفسهم وحدهم عندما يحتاجون إليها فعلياً.
لهذا، أعتقد أن ما يجري يستحق أن يُقرأ بأبعد من تفاصيل المعارك اليومية. فالمسألة ليست مجرد ارتفاع في أسعار النفط، ولا مجرد جولة جديدة من الحرب في أوكرانيا، بل تحول في الطريقة التي تنظر بها عدة دول إلى القوة الأمريكية نفسها.


روسيا لم تعد تنتظر اتفاقاً


بعد زيارتي الأخيرة إلى موسكو، خرجت بانطباع واضح جداً: 
القيادة الروسية لم تعد تعتقد أن هناك فائدة كبيرة من انتظار تسوية سياسية مع الغرب.
أحد أكثر الأمور وضوحاً في الحديث مع سيرغي لافروف وغيره من المسؤولين والنخب الروسية كان مستوى الغضب من الطريقة التي تعامل بها الغرب مع الحرب، وخصوصاً ما جرى بعد قمة أنكوراج الروسية الأمريكية عام 2025.
وفق الرواية الروسية، كانت هناك تسوية شبه مكتملة. كانت أوكرانيا ستتخلى عن كامل دونباس، في حين تقبل روسيا بتجميد خطوط التماس في خيرسون وزابوريجيا، رغم أن موسكو كانت قد أعلنت ضم الإقليمين.
عندما سمعت بهذه الصيغة أول مرة، كنت متشككاً جداً. لم أكن أعتقد أن روسيا ستقبل بعدم السيطرة على كامل المناطق التي أعلنتها جزءاً من أراضيها. لكن لافروف أكد أن بوتين كان مستعداً لذلك.
السبب كان بسيطاً: ترامب أخبر الروس بأنه يستطيع تنفيذ الاتفاق، وأنه قادر على جعل أوكرانيا تقبله. المشكلة أن ذلك لم يحدث. لم يستطع ترامب جعل كييف توافق، ولم يتمكن أيضاً من إقناع الأوروبيين. ومن وجهة نظر الروس، انهارت الصفقة لأن الرئيس الأمريكي لم يكن قادراً على تنفيذ ما وعد به.
هذه النقطة مهمة جداً. لا أعتقد أن الروس ينظرون إلى ترامب بالطريقة نفسها التي ينظرون بها إلى الأوروبيين. هناك انطباع في موسكو بأن ترامب ربما كان يريد فعلاً التوصل إلى اتفاق، لكنه لم يكن قادراً على فرضه.
أما أوروبا، وخصوصاً بريطانيا وألمانيا، فينظر إليها الروس بقدر أكبر بكثير من العداء، لأنهم يعتقدون أن الأوروبيين لا يريدون مجرد دعم أوكرانيا، بل يريدون إضعاف روسيا استراتيجياً. والنتيجة، أن موسكو توصلت الآن إلى استنتاج بسيط: 
إذا لم يكن الاتفاق السياسي قابلاً للتنفيذ، فلا يبقى سوى ساحة المعركة.


لم يعد الروس «يمسكون أيديهم»


هناك تغير آخر لا يقل أهمية. لفترة طويلة، أعتقد أن روسيا كانت تقاتل وهي تفرض على نفسها قيوداً معينة. كانت تتجنب ضرب بعض الأهداف، وتتفادى توسيع الحرب بصورة قد ترفع احتمال المواجهة المباشرة مع الغرب.
هذا يتغير الآن. الهجوم الروسي على محطة قطارات قرب الحدود البولندية الأوكرانية، في توقيت قريب جداً من مرور شخصيات غربية بارزة، لا يبدو لي مصادفة. الرسالة واضحة: الروس يعرفون بصورة جيدة أين تتحرك الشخصيات الغربية داخل أوكرانيا، وكانوا يعرفون ذلك على الأرجح منذ فترة طويلة، لكنهم كانوا يتجنبون استخدام هذه المعلومات بالطريقة نفسها التي يستطيعون استخدامها الآن.
الأمر نفسه ينطبق على الموانئ الأوكرانية. روسيا كانت قادرة منذ وقت طويل على جعل الوصول إلى البحر أكثر صعوبة بالنسبة إلى أوكرانيا، لكنها لم تستخدم كامل قدرتها في هذا الاتجاه. الآن أصبحت أكثر استعداداً لذلك.
هذا لا يعني أن روسيا تريد احتلال أوكرانيا كلها. هذه واحدة من أكثر الأفكار الغربية التي أجدها غير مقنعة. خلال كل النقاشات التي أجريتها، بما فيها مع لافروف، لم أجد دليلاً حقيقياً على أن روسيا تريد السيطرة على كامل أوكرانيا، فضلاً عن التقدم بعد ذلك نحو أوروبا الشرقية.
لكن هذا لا يجعل نهاية الحرب سهلة. حتى إذا انتصرت روسيا عسكرياً، سيبقى السؤال: 
ما شكل الدولة الأوكرانية المتبقية؟ ومن سيحكمها؟ وهل سيظل الغرب يدعمها ويسلحها؟ وهل ستبقى كييف مصرة على استعادة الأراضي؟ 
لهذا قلت: إن أفضل ما يمكن لروسيا أن تحصل عليه قد يكون «انتصاراً قبيحاً».


أزمة الطاقة ليست مشكلة أوكرانيّة


في الوقت نفسه، يحاول ترامب تحميل الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية مسؤولية الارتفاع الكبير في أسعار الديزل والنفط. أنا أفهم لماذا تريد الولايات المتحدة وقف الهجمات على المصافي الروسية. من مصلحة الاقتصاد العالمي أن يبقى أكبر قدر ممكن من النفط والديزل في الأسواق.  لكن القول: إن أوكرانيا هي السبب الرئيسي لأزمة الأسعار ليس تفسيراً جدياً.
المشكلة الأكبر موجودة في الشرق الأوسط. الإدارة الأمريكية لا تريد أن تتحمل مسؤولية النتائج الاقتصادية لما فعلته هناك، ولذلك يصبح من الأسهل الإشارة إلى زيلينسكي والقول: إن ضربه للمصافي الروسية هو المشكلة.
لكن الأسواق لا تعمل بهذه البساطة. عندما يتعرض الخليج والبحر الأحمر وممرات الطاقة الرئيسية لضغط عسكري مستمر، ستكون النتيجة ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، مهما حدث في أوكرانيا.


أمريكا فقدت القدرة على الرد


في الشرق الأوسط، الوضع أخطر. كانت هناك جولتان كبيرتان من المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. الجولة الأولى بدأت في 8 تموز وانتهت في 29 تموز. لماذا توقفت الولايات المتحدة؟ لأنها لم تحقق هدفها، ولأنها استهلكت كميات كبيرة من الذخائر.
ثم بدأت الجولة الثانية في 30 آب، عندما هاجمت الولايات المتحدة أهدافاً داخل إيران بسبب مخاوف من نشر طهران صواريخ وألغام في مضيق هرمز. لكن بحلول 9 أيلول، توقفت الولايات المتحدة مرة أخرى عن الرد، بينما واصلت إيران ضرب أهداف أمريكية في الخليج والأردن. هذه هي النقطة الحاسمة.
منطق «الرد مقابل الرد» انهار، لا لأن إيران توقفت، بل لأن الولايات المتحدة هي التي توقفت. والسبب، في رأيي، مزدوج: نقص الذخائر، وعدم جدوى التصعيد. إذا أطلقت جولة عسكرية أولى ولم تحقق شيئاً، ثم بدأت جولة ثانية وانتهت بالطريقة نفسها، فهذا يعني أن لديك مشكلة استراتيجية لا يمكن حلها بمجرد إطلاق مزيد من الصواريخ.
وهذا ينطبق أيضاً على الحوثيين. الولايات المتحدة لا تملك اليوم خياراً عسكرياً فعالاً ضدهم. ولذلك انتقلت إلى أدوات اقتصادية: الحصار، ومحاولات خنق الاقتصاد الإيراني، وما عُرف باستراتيجية سكوت بيسنت. لكن هذه الأدوات أيضاً لم تحقق النتائج المطلوبة.
ومن هنا، أرى أن من يعيد تشكيل الشرق الأوسط اليوم ليس الولايات المتحدة، بل القوى الأخرى، بينما واشنطن تتراجع.


لماذا رفض ترامب إنقاذ السعودية؟


هذه النقطة تقودنا مباشرة إلى السعودية. عندما طلب محمد بن سلمان المساعدة العسكرية من ترامب ضد الحوثيين، ورفض ترامب مرتين، ظهرت المسألة وكأن الولايات المتحدة قررت التخلي عن حليفها.
أنا لا أعتقد أن هذا هو التفسير الصحيح. المشكلة ليست أن واشنطن قالت: لم نعد نريد السعودية. المشكلة أنها لم تعد تملك القدرة العملية على توفير الأمن الذي تتوقعه السعودية منها.
هذا فرق جوهري. السعوديون عاشوا لعقود تحت افتراض أن الولايات المتحدة قادرة في النهاية على حل مشكلاتهم الأمنية الكبرى. كان التصور أن أمريكا تستطيع ردع إيران، وحماية الخليج، وضمان تدفق النفط، والتعامل مع الحوثيين إذا خرجوا عن السيطرة.
لكن عندما احتاجت السعودية فعلياً إلى هذه القوة، اتضح أن واشنطن ليست قادرة على استخدامها بالطريقة التي توقعها السعوديون. السعودية دخلت الحرب مع الحوثيين، ووجدت نفسها الآن في مأزق. والولايات المتحدة لا تستطيع إخراجها منه.
لهذا تبدو أمريكا حليفاً غير كفء، لا حليفاً اختار الانسحاب ببساطة.


مأزق سعودي بلا خيارات جيدة


إذا كنت صانع قرار سعودياً اليوم، فما خياراتك؟ الاعتماد على الولايات المتحدة أثبت أنه غير مضمون.
هل تتجه إلى الصين؟ بكين تستطيع تقديم علاقات اقتصادية وسياسية مهمة جداً، لكنها لا تريد الحلول مكان أمريكا في توفير مظلة أمنية كاملة للسعودية.
هل تتجه إلى روسيا؟ موسكو أيضاً لا تستطيع أن تحل محل الولايات المتحدة كضامن أمني للخليج.
هل تستطيع السعودية وحدها مواجهة إيران؟ إذا كانت الولايات المتحدة لا تستطيع حمايتك، ولا تستطيع الصين أو روسيا أن تحلا محلها، ولا تستطيع أنت موازنة إيران وحدك، فما الذي يبقى؟
التعايش. أعتقد أن الاستراتيجية الأكثر عقلانية بالنسبة إلى السعودية ستكون محاولة التوصل إلى تفاهم عملي مع إيران، لأنها تحتاج إلى الاعتراف بالواقع الاستراتيجي.
يمكنها في الوقت نفسه الحفاظ على علاقات جيدة مع الصين وروسيا، والإبقاء على علاقة شكلية قوية مع الولايات المتحدة، لكن عليها أن تتوقف عن الاعتقاد بأن قوة خارجية ستأتي في اللحظة الأخيرة لإنقاذها. في عالم كهذا، يصبح التكيف مع إيران ضرورة لا خياراً مثالياً.

 


الكارثة الحقيقية في أسواق الطاقة


المشكلة تتجاوز السعودية نفسها. عندما بدأ النقاش عن فرض الحصار الاقتصادي على إيران، كان هناك قدر كبير من الثقة في واشنطن بأن الضغوط الاقتصادية ستجبر طهران على التراجع. لكن تطور الحرب قلب الحسابات.
إذا أصبح البحر الأحمر غير آمن، وباب المندب تحت ضغط الحوثيين، ومضيق هرمز مهدداً، وخطوط تصدير النفط السعودية معرضة للتعطيل، فإن الاقتصاد العالمي كله يدخل في مشكلة.
هذا ليس مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار النفط. تقريباً كل شيء في الاقتصاد الحديث يتحرك بالطاقة. الديزل ينقل الطعام. وقود الطائرات يحرك السفر والتجارة. الشاحنات تنقل كل سلعة تقريباً من الموانئ والمخازن إلى المتاجر.
ولهذا، إذا استمرت أسعار النفط والديزل في الارتفاع، سيظهر الأثر لاحقاً في المواد الغذائية والفواكه والسلع اليومية. وقد لا تكون كل هذه الآثار ظهرت بعد. الخريف والشتاء قد يكشفان المزيد. ومن هنا أعتقد أن آفاق الاقتصاد الأمريكي والعالمي سيئة.
أفضل سيناريو في المدى القصير قد يكون ببساطة ألا تسوء الأمور أكثر، لكنني لا أرى حتى الآن طريقاً واضحاً لإعادة فتح جميع ممرات الطاقة بصورة مستقرة، أو إنهاء المواجهات في المنطقة بسرعة.


خطأ كان يمكن تجنبه


لهذا أعتبر المغامرة الأمريكية في الشرق الأوسط خطأً أساسياً. كان يجب على ترامب أن يلتزم بالتفاهم الذي تم التوصل إليه مع إيران في 17 حزيران. لم يكن اتفاقاً مثالياً للولايات المتحدة، لكنه كان، في رأيي، أفضل ما كان متاحاً. وبدلاً من ذلك، جرى التخلي عنه.
النتيجة اليوم، أن الولايات المتحدة لا تستطيع إنهاء الحرب، ولا تستطيع إعادة الاستقرار إلى طرق الطاقة، ولا تستطيع تقديم الأمن الكافي لحلفائها. وهذا بالضبط النوع من الحروب الذي تبدأه قوة عظمى، وهي واثقة من قدرتها على السيطرة على مسار الأحداث، ثم تكتشف أن خصومها يملكون هم أيضاً القدرة على تغيير قواعد اللعبة.


أين اختفى الملف النووي؟


المفارقة الأخرى، أن الحرب بدأت في جوهرها حول الملف النووي الإيراني. واليوم، وسط الحديث عن هرمز وباب المندب والديزل والحوثيين والسعودية، نادراً ما نسمع حديثاً عن المشكلة الأصلية.
لكن المشكلة النووية لم تختف. على العكس، أصبحت أكثر خطورة. بعد هذه المواجهة، يصبح من الصعب جداً تصور اتفاق جديد تستطيع الولايات المتحدة من خلاله فرض قيود كبيرة على تخصيب اليورانيوم الإيراني.
بل يمكن المجادلة بأن الحرب نفسها أعطت إيران سبباً أقوى للتفكير في امتلاك سلاح نووي. إذا كنت في طهران وتنظر إلى ما حدث، فقد تستنتج أن السلاح النووي هو الضمان النهائي الذي يمنع خصومك من محاولة إسقاط نظامك، أو مهاجمة أراضيك مستقبلاً.
السياسات التي كان يفترض أن تمنع الانتشار النووي قد تكون هي نفسها التي تجعل الانتشار النووي أكثر احتمالاً.


النهاية التي لم تقصدها واشنطن


ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط يوضح حدود القوة الأمريكية أكثر مما يوضح قوة أي استراتيجية أمريكية. واشنطن لم تقرر ببساطة أن تتخلى عن السعودية. هي تواجه شيئاً أكثر إحراجاً بكثير: حليفها يحتاج إلى حماية، وهي لا تستطيع توفيرها بالكفاءة التي كان يتوقعها.
وفي الوقت نفسه، خصومها يدركون هذه الحقيقة. إيران تراها. الحوثيون يرونها. السعوديون يرونها. ومن المرجح أن بقية دول المنطقة تراها أيضاً.
وهذا هو التحول الأهم. التحالفات لا تعتمد فقط على الاتفاقات المكتوبة، بل على الثقة بأن الحليف يستطيع فعل ما يقول إنه سيفعله عندما تأتي الأزمة. إذا فقدت هذه الثقة، لا تحتاج إلى إعلان رسمي يقول: إن التحالف انتهى. يبدأ الجميع ببساطة في البحث عن خطط أخرى. وهذا، في رأيي، ما بدأ يحدث الآن.
السعودية ستبحث عن تفاهم مع إيران. وستحافظ على علاقاتها مع واشنطن، لكنها لن تنظر إليها بالطريقة نفسها. وستوسع علاقاتها مع بكين وموسكو، حتى لو لم تستطع أي منهما أن تحل محل أمريكا. وقد تبدأ، في الخلفية، بالتفكير في ردع نووي مستقل.
أما الولايات المتحدة، فستكتشف أن الدخول في حرب أسهل بكثير من إعادة بناء نظام إقليمي بعد أن تبدأ نتائج الحرب بالتحرك في اتجاه لم يكن في الحسبان. وهذا هو الدرس الأساسي في الشرق الأوسط اليوم.