Skip to main content

من يدفع بريطانيا نحو «حمّى الحرب»؟

 |  قاسيون  |  شؤون استراتيجية

تبدو بريطانيا اليوم أمام مفارقة واضحة. يؤيد قسم متزايد من المواطنين رفع الإنفاق الدفاعي، لكن الحماسة تتراجع سريعاً عندما تصبح كلفة ذلك ملموسة في حياتهم اليومية. أظهر استطلاع لـ«إبسوس» أن 51% يؤيدون زيادة الإنفاق العسكري، لكن 44% يعارضون رفع الضرائب لتمويله، والنسبة نفسها ترفض خفض الخدمات العامة لهذا الغرض. وفي الوقت نفسه، قال 48% : إنهم لن يحملوا السلاح للدفاع عن بريطانيا مهما كانت الظروف.

الكاتب: جون ريس


هذه الفجوة بين قبول فكرة «دفاع أقوى» والاستعداد لتحمل تكلفته تقع في قلب الجدل الذي يطرحه جون ريس، المؤسس المشارك لـ«ائتلاف أوقفوا الحرب». فهو يرى أن موجة إعادة التسلح الأوروبية لا تعتمد فقط على قرارات الحكومات والميزانيات، بل ترافقها أيضاً حملة واسعة لتشكيل الطريقة التي يرى بها الجمهور الحرب وروسيا والأمن القومي.
وخلال عام واحد، ظهر مسؤولون حاليون أو سابقون من الجيش وأجهزة الاستخبارات البريطانية في وسائل الإعلام الرئيسية نحو 900 مرة؛ أي بمعدل يتجاوز مرتين يومياً. وإذا أضيف إليهم السياسيون الذين يدافعون عن زيادة التسلح، يصبح الحضور أكبر بكثير.
المشكلة، بحسب ريس، ليست أن العسكريين يظهرون في الإعلام، بل أن الجمهور لا يحصل دائماً على الصورة الكاملة عنهم.
فعدد من أبرز الضباط المتقاعدين الذين يظهرون كمحللين عسكريين، يعملون أيضاً مع شركات دفاع، أو أمن، أو استخبارات تجارية، أو استشارات مرتبطة بالقطاع العسكري. بعضهم يدعو علناً إلى إضافة مليارات الجنيهات إلى ميزانية الدفاع، بينما ترتبط أعماله الخاصة بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، بالسوق التي ستستفيد من زيادة الإنفاق.
وهنا يظهر سؤال تضارب المصالح. عندما يظهر جنرال سابق على شاشة التلفزيون ليشرح لماذا تحتاج بريطانيا إلى مزيد من الأسلحة، هل يعرف المشاهد أنه يعمل أيضاً مستشاراً لشركة تستفيد من توسع قطاع الدفاع؟ يرى الكاتب أن الإجابة غالباً هي: لا.
الاستخبارات خرجت من الظل
التحول لا يقتصر على الجيش. قبل سنوات قليلة فقط، كان ظهور رؤساء أجهزة الاستخبارات البريطانية في الإعلام حدثاً نادراً. لكن هذه الأجهزة أصبحت اليوم أكثر انفتاحاً في التواصل مع الجمهور، ضمن استراتيجية تقوم على استخدام العلنية نفسها لحماية مكانة المؤسسات السرية.
يظهر رؤساء حاليون وسابقون لـMI5 وMI6 وGCHQ في الخطب والمقابلات، ويتحدثون عن روسيا والهجمات السيبرانية والتضليل والمخاطر الأمنية. حتى إن بعض المسؤولين السابقين شاركوا في تقديم، أو تحرير برامج إعلامية بارزة.
المؤسسة الاستخباراتية، ترى أن هذا الانفتاح يساعدها على بناء الثقة، وتجنيد موظفين وتفسير التهديدات للجمهور، لكن وتيرة الظهور أصبحت كبيرة لدرجة دفعت لجنة الاستخبارات والأمن في البرلمان نفسها إلى التحذير، من أن كثرة النشاط الإعلامي قد تجعل عمل الأجهزة يبدو سطحياً، أو تشتت انتباه مسؤوليها عن مهماتهم الأساسية.
بالنسبة إلى ريس، تكمن المشكلة في أن الحدود بين تقديم المعلومات للجمهور والترويج لخيار سياسي معين تصبح أقل وضوحاً.


من هم «الخبراء»؟


هناك طبقة ثالثة تظهر باستمرار في النقاشات المتعلقة بالحرب: خبراء مراكز الأبحاث.
بعض الأصوات الأكاديمية البريطانية تنتقد سباق التسلح، لكن معظم الضيوف الذين يقدمون باعتبارهم متخصصين في الأمن والدفاع، يأتون من مؤسسات قريبة تاريخياً من الجيش والحكومة وأجهزة الاستخبارات، مثل: المعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI وتشاتام هاوس.
وكثير من هؤلاء سبق لهم العمل في وزارة الدفاع، أو مجلس الوزراء، أو السلك الدبلوماسي، أو المؤسسات الأمنية، بينما يعمل بعضهم بالتوازي مع شركات استخبارات ومخاطر خاصة.
لا يعني ذلك أن آراءهم خاطئة بالضرورة، لكن الكاتب يرى أن تعريف الجمهور بخلفياتهم أمر ضروري لفهم الموقع الذي يتحدثون منه.
وبحسب الأرقام التي يعرضها، يحصل العسكريون والاستخباراتيون وخبراء المؤسسة الأمنية مجتمعين على نحو 90% من فرص الظهور الإعلامي المرتبطة بالحرب والأمن، مقابل نحو 10% للأصوات المناهضة للحرب.
وتصبح الفجوة أكبر عندما يُستبعد ظهور النشطاء للحديث عن احتجاجاتهم، ويقتصر الحساب على الضيوف الذين تتم دعوتهم لتحليل السياسة الخارجية والحروب نفسها.


حين تدخل المؤسسة الأمنية إلى السياسة


يوسع ريس نقده ليشمل الشرطة أيضاً. ويرى أن المؤسسات التي يفترض أن تنفذ السياسات أصبحت في بعض الحالات أكثر حضوراً في صناعة المناخ السياسي نفسه. ويستشهد خصوصاً بطريقة تعامل شرطة لندن مع الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب في عدد كبير من الاعتقالات.
كما ينتقد العلاقات التي تربط بعض مسؤولي الشرطة بمؤسسات سياسية وأمنية مؤيدة «لإسرائيل»، ويرى أن ذلك يثير تساؤلات حول الحدود بين إنفاذ القانون والانحياز داخل نقاش سياسي شديد الاستقطاب.
هذه الأمثلة تقوده إلى المفهوم الأوسع الذي يشكل أساس المقال: «المجمع العسكري الصناعي».


شبكة لا تقتصر على الجيش


استخدم الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور هذا التعبير عام 1961 لتحذير الأمريكيين من شبكة المصالح التي يمكن أن تتشكل بين الجيش والحكومة والصناعات الدفاعية. بالنسبة إلى ريس، لا يزال المفهوم مفيداً، لكنه اليوم أوسع من مجرد شركات تصنع الدبابات والطائرات.
إنه يشمل شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والاستشارات ومراكز الأبحاث وأجهزة الدولة، إضافة إلى شبكة من الخبراء الذين يتحركون بين القطاع العام والخاص والإعلام.
وفي لحظة ترتفع فيها ميزانيات الدفاع الأوروبية بسرعة، تصبح هذه الشبكة أكثر نفوذاً.
فالحرب في أوكرانيا واحتمال توسع المواجهة مع روسيا يقدمان المبرر السياسي، بينما توفر الحكومات الميزانيات، وتنتج الصناعات العسكرية الأسلحة، وتقوم المؤسسات الأمنية والخبراء بشرح الحاجة إليها للجمهور.
ويرى الكاتب، أن أوروبا دخلت مرحلة أصبح فيها التسلح واحداً من المحددات الأساسية للسياسة الاقتصادية أيضاً. في السابق، كان دعاة التقشف يقولون:
إن الدولة يجب أن تخفض الإنفاق كي توازن ميزانيتها. أما اليوم، فأصبح خفض بعض النفقات يقدم أيضاً بوصفه وسيلة لتوفير الأموال الضرورية للدفاع، وإعادة بناء الجيوش.
ويضاف إلى ذلك، خوف أوروبي متزايد من تحول الاهتمام الأمريكي نحو آسيا والمحيط الهادئ، وما قد يعنيه ذلك من تحمل أوروبا قسطاً أكبر من تكلفة أمنها.


لكن هل يريد البريطانيون الحرب؟


هنا تظهر المشكلة الأكبر أمام هذا المسار. المجتمع نفسه لا يبدو مقتنعاً بالحرب بالدرجة التي توحي بها الخطابات الرسمية.
فإلى جانب نسبة البريطانيين الذين يرفضون القتال، تكشف استطلاعات الشباب عن موقف أكثر وضوحاً: نصف البريطانيين بين 16 و29 عاماً يقولون:
إنهم لن يقاتلوا من أجل بلادهم تحت أي ظرف، بينما يقول 38% إنهم قد يفعلون ذلك فقط في ظروف محددة.
ويربط ريس ذلك بأزمة ثقة أوسع. نسبة محدودة فقط من الشباب تعتقد أن حياتها ستكون أفضل من حياة آبائها، وأغلبية معتبرة ترى أن النظام السياسي لا يعاملها بإنصاف، أو أن الديمقراطية البريطانية تعاني أزمة.
وهذا يعني، أن الدولة تطلب من جيل يشعر أصلاً بأنه لا يحصل على حصة عادلة من السكن والخدمات والفرص الاقتصادية، أن يتحمل الآن أيضاً تكلفة إعادة التسلح وربما الحرب. لهذا يرى الكاتب: أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل معركة على الرأي العام.
فالناس يسمعون ما تقوله الحكومة والخبراء، لكنهم يقارنونه أيضاً بما عاشوه منذ حرب العراق، وبما يرونه من آثار الحروب الحالية.
ومن بريطانيا إلى ألمانيا وفرنسا وإسبانيا، تكشف الاحتجاجات الشبابية ضد التجنيد، أو التقشف، أو ارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب الحركات المناهضة للحرب والمؤيدة لفلسطين، أن تعبئة المجتمعات الأوروبية خلف مشروع عسكري طويل الأجل ليست أمراً مضموناً.
وهذه ربما هي المفارقة الأهم: قد يكون من السهل تخصيص مليارات إضافية للدفاع، لكن إقناع المجتمعات بأن الحرب تستحق أن تدفع ثمنها مسألة أكثر صعوبة بكثير.