Skip to main content

أيام الأمل والغضب في فرنسا...

 |  قاسيون  |  شؤون استراتيجية

في قلب باريس، يرتفع نصب الجمهورية فوق ساحة احتضنت كل التعبئات الكبرى لليسار الفرنسي، وتحمل ماريان، رمز الجمهورية، غصن زيتون فوق ثلاث كلمات: حرية، مساواة، إخاء. في تظاهرات السابع عشر من تشرين الأول، تسلّق عشرات الشبان النصب أمام عشرات الآلاف، ورفع بعضهم الأعلام الفلسطينية والحمراء، ولُفّت ماريان بسترة صفراء ضخمة كُتب عليها: «الشرطة تشوّه تلاميذ الثانويات». منذ قرابة شهر تهزّ فرنسا انتفاضة طلابية واسعة، في واحدة من أعمق أزماتها السياسية منذ عقود. فالدولة التي تزعم أنها تجسّد الحرية والمساواة والإخاء، ردّت على تلاميذ الثانويات حين طالبوا بظروف دراسية أفضل، بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والاعتقالات الجماعية.

روبرت ناراي


وأن تشوّه شرطة الجمهورية أجساد الفتيان في الشوارع، فتلك إدانة للنظام الرأسمالي الذي تحميه هذه الجمهورية. أيام الغضب في يوم التحرك الوطني في السابع عشر من تشرين الأول، الذي شارك فيه نحو 800 ألف متظاهر، أطلقت حكومة إيمانويل ماكرون موجة من العنف. اقتحمت قوات مكافحة الشغب- بالهراوات والمدرعات- التجمعات في باريس وليون وبوردو ومدن أخرى، فاعتدت على المتظاهرين والمارة على السواء. وبحسب وزارة الداخلية، اعتُقل نحو 1800 شخص، منهم 855 في باريس وحدها.
وفقد فتى يده في سانت إتيان، وفقد آخر عينه في ميلوز. وكان الجديد في ذلك اليوم عودة «السترات الصفراء»، حركة عمال الأرياف والمدن الطرفية التي انطلقت عام 2018 ضد ضرائب الوقود وغلاء المعيشة، قبل أن تسحقها الدولة بالقوة. فبعد أسابيع من مشاهدة التلاميذ يواجهون الشرطة، أغلقت الحركة الدوّارات ومستودعات الوقود، وأعلنت دعمها للانتفاضة. وقال بيير، المتقاعد من بلدة باندول، لصحيفة «لا بروفانس»: «تعرّضت للغاز خمس مرات منذ الصباح. حكومة ماكرون تعلن الحرب على الشعب». ويؤيد 55 % من الفرنسيين الحركة، بحسب استطلاع لمعهد «إيلاب»، غير أن معظم الطبقة العاملة لم تنخرط فيها بعد. جمهورية من؟ اختارت الحكومة أن تصوّر الضحايا على أنهم الجناة.
فحمّل رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو المسؤولية لـ«مجموعات أقصى اليسار»، وأعلن ماكرون: أن «لا شيء يفسّر العنف، ولا شيء يبرّره»، واستُعملت بضعة مبانٍ محترقة، كمبنى البلدية في ليموج، لتصوير حركة من مئات الآلاف، كأنها جموع هائجة. فأي جمهورية هذه التي تثير فيها بلدية محترقة غضباً عارماً، ولا يثير فيها فقدان فتى في السادسة عشرة عينه بقنبلة شرطة، إلا مطالبات بمزيد من «القانون والنظام»؟ فالطبقة الحاكمة لا تسمّي أبداً الظروف التي أنتجت هذه الانتفاضة عنفاً. في أفقر المدارس يجلس التلاميذ في صفوف تعجّ بالصراصير والجرذان، يصل عددهم فيها إلى 35. وخارجها توقف الشرطة الشبان السود والعرب في الضواحي العمالية، بسبب لون بشرتهم والحي الذي يسكنونه، وتتسبب عملياتها بأكثر من وفاة في الأسبوع. وتواصل أسعار الوقود والغذاء ارتفاعها، في حين يملك 53 مليارديراً، بحسب منظمة «أوكسفام»، ما يملكه أفقر 48 % من السكان.
«الشغب لغة من لا يُسمع صوتهم»، كما قال مارتن لوثر كينغ. غير أن الشغب ليس طريقاً تتقدم به الحركة، فهو يستدعي مزيداً من القمع، ويمنح اليمين روايته عن «مخرّبين» لا يُردّ عليهم إلا بحظر التجول والجنود، ويُبعد العمال الذين تستطيع إضراباتهم أن تنتزع المطالب. وقد أضفى اليمين على الأحداث طابعاً عنصرياً، فتحدثت الناطقة باسم الحكومة مود بريجون عن «الحثالة»، ووصف الفاشي إريك زمور ما يجري بأنه «جحافل من البرابرة المغاربيين والأفارقة تدخل المدن». وظهرت نتائج هذا الخطاب في ضاحية تراب قرب باريس، حيث جاب مسلح شوارعها في الثالث والعشرين من تشرين الأول يطلق النار على السود وذوي البشرة السمراء، فقتل شاباً في السادسة والعشرين، وجرح آخرين بينهم طفلة في الثانية عشرة.
وبحسب صحيفة «لوموند»، تباهى القاتل بأنه «انتقم لأصحاب المتاجر». واستنكر السياسيون، وماكرون منهم، ما جرى، لكنها دموع تماسيح ممن دعموا لسنوات قوانين ضد المهاجرين واللاجئين والمسلمين، وردّدوا خطاب «التجمع الوطني» الفاشي. استقطاب حاد، ليست هذه المرة الأولى التي ينتفض فيها شبان الضواحي؛ ففي عامي 2005 و2023، بعد مقتل فتيان على يد الشرطة، انتفضت الضواحي من دون الحركة العمالية. أما الجديد اليوم، فهو أن الانتفاضة بدأت من المدارس، وأن أول ما فعله التلاميذ كان تشكيل جمعيات عامة يديرون عبرها حركتهم ديمقراطياً. وقد تشكّل وعي هذا الجيل بتجربتين: حركة التضامن مع فلسطين، التي علّمته معنى قمع الدولة والفراغ الأخلاقي في قلب الجمهورية؛ وخطر «التجمع الوطني» الذي قد يصل إلى السلطة في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. فالتلاميذ لا يطالبون بمستقبل أفضل فحسب، بل يدافعون عن حقهم في أن يكون لهم مستقبل أصلاً.

وتدفع الانتفاضة الطبقة الرأسمالية نفسها نحو التشدد. تكتب مارتين أورانج في موقع «ميديابارت» أن «موجة صدمة اجتاحت عالم الأعمال». فالدين العام يتجاوز 100 % من الناتج المحلي، والطبقة الحاكمة تريد أن يدفع العمال الفاتورة، من تخفيضات الميزانية التي يعرقلها الطلاب إلى الهجوم على الأجور والتقاعد والخدمات العامة. وتخلص أورانج إلى أن بعض الرأسماليين يرون في مارين لوبان «وحدها القادرة على استعادة السلطة» التي يتوقون إليها. ولن تحتاج حكومة يقودها «التجمع الوطني» إلى بناء آلة القمع، لأن الوسط بناها سلفاً: حظر التظاهرات، وصلاحية حلّ المنظمات اليسارية، وشرطة وجنود جاهزون للانتشار. ففي الأيام التي تلت السابع عشر من تشرين الأول، أقامت الحكومة حالة طوارئ فعلية من دون أن تعلنها: حظر تجول على القاصرين في باريس ومدن كبرى، ومنع للتظاهرات، ونشر لدوريات «سانتينيل» العسكرية، وتعبئة 70 ألف شرطي.
وفي الوقت نفسه، دعا لوكورنو «التجمع الوطني» إلى اجتماعات تبحث رد الحكومة على الأزمة. وطالما قيل للناخبين إن «الجبهة الجمهورية» هي السد الوحيد أمام الفاشية، لكن ماكرون رفض عام 2024 أن يشكّل اليسار الحكومة، رغم فوز «الجبهة الشعبية الجديدة» بأكبر عدد من المقاعد.
أيام الأمل امتدت، الجمعيات الطلابية من الثانويات إلى الجامعات، وصوّت مندوبو 32 حرماً جامعياً في منطقة باريس على المشاركة في أيام التحرك،. وفي الرابع والعشرين من تشرين الأول تحدّى مئات الآلاف تهديدات الحكومة: امتدت التظاهرة في باريس أكثر من أربعة كيلومترات، ووقف المتظاهرون في مرسيليا دقيقة صمت لضحايا تراب. وخرج الآلاف في بوردو وليون متحدّين حظر التظاهر والمدرعات. وحمل متظاهر في باريس لافتة كتب عليها: «تمنيت لو كنت واجهة متجر، لأُخذتُ على محمل الجد». وفي اليوم نفسه، سار أكثر من ثلاثين ألفاً في أورليان، حيث عقد «التجمع الوطني» مؤتمره لإطلاق حملة لوبان الرئاسية. وحملت هذه المسيرة رسالة واضحة: قد يكسب «التجمع الوطني» في صناديق الاقتراع، لكنه لا يملك الشارع.
ويواجه ماكرون مأزقاً: إن واصل القمع، خاطر بانفجار اجتماعي، وإن خفّف قبضته، عادت أزمة الميزانية والمدارس واتسعت الانتفاضة. وللحركة مأزقها أيضاً، فالتهديد بالسجن وحظر التجول يكفي لإبقاء كثيرين في بيوتهم، وقادة النقابات يملكون مفاتيح قوة العمال، لكنهم يستعملونها بحذر. والإضراب ليوم واحد ينفّس الغضب ولا يُسقط حكومة؛ ففي عام 2023 دعت القيادات النقابية إلى أربعة عشر إضراباً ليوم واحد خلال خمسة أشهر، وانتظر ماكرون حتى مرّت كلها. لقد أثبت الطلاب والعمال، أن القبضة الحديدية للجمهورية يمكن تحدّيها بالتحرك الجماهيري. أما المدى الذي ستبلغه هذه الانتفاضة، فيتوقف على قدرة اليسار المنظّم على نقل نضالية الطلاب إلى أماكن العمل، وكسب العمال إلى إضراب مفتوح يوقف الإنتاج.

عن موقع «ريد فلاغ»، 27 تشرين الأول 2026 (ترجمة بتصرف)