أمصال لدغات العقارب تائهة بين «شروط التخزين» و«بعد الجغرافيا»!
لا يحتاج أهالي سهل الغاب إلى تقارير «منظمة الصحة العالمية» ليعرفوا أن المسافة بين قراهم وأقرب مشفى وطني هي مسافة بين الحياة والموت. فالطفلة «بانا» ذات العامين وثلاثة أشهر التي لُدغت بعقرب وتوفيت في 30 آب 2026، لم تمت لأن السم كان قاتلاً فحسب، بل التهم جسدها رحلة عذاب طويلة من مشقى إلى آخر بحثاً عن سرير شاغر و«مصل» كان بعيداً وبعيداً جداً!
مصل في المشافي الحكومية وموت على الطريق
المبررات الرسمية جاهزة دائماً، وجاءت على لسان مدير المكتب الإعلامي في حماة بتاريخ 31/8/2026، بأن «الأمصال تحتاج تجهيزات حفظ وتخزين خاصة ولا يمكن توزيعها على النقاط الطبية الأولية وأنها متوفرة في المشافي الوطنية، فهي المكان المناسب».
لكن هذه المبررات تنهار أمام حقيقة بسيطة؛ طفل في دير الزور فارق الحياة في حزيران الفائت بالظروف نفسها، وآخر في ريف حلب بتاريخ 27 آب، واليوم «بانا» في سهل الغاب، ثلاث جثث صغيرة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة أمام السياسة الصحية الحالية، فهي ليست قاصرة فقط، بل قاتلة.
فمن يتحمل مسؤولية طفل يموت على بعد نحو 50 كيلومتراً من أقرب مشفى؟ ومن يحاسب من قرر أن الريف السوري لا يستحق أمصالاً قريبة أمام سياسات التهميش والإهمال، بينما يعرف جيداً أن عامل الزمن حاسم في الحالات الطارئة كلدغات العقارب؟
الوزارة تتهرب بالحديث عن «شروط التخزين»، وكأن التكنولوجيا الطبية لم تتطور منذ سبعينيات القرن الماضي، وكأن أجهزة أو ثلاجات التبريد المحمولة غير موجودة في الأسواق العالمية!
الدواء لمن يستطيع
أمام هذا الواقع الكارثي، يحاول الأهالي شراء المصل من الصيدليات على نفقتهم الخاصة، ليكتشفوا أن القصة ليست في سعره المرتفع فقط، والذي يثقل جيبهم المفقر أساساً، بل بتوفره ضمن شروط صحية تحفظ فعاليته وموثوقية مصدره!
فالمصل الذي يُباع في صيدلية لا تحترم شروط التبريد قد يكون عديم الفائدة تماماً، أو أسوأ من ذلك.
وهكذا، يجد المواطن المفقر نفسه بين مطرقة الفقر وغول الموت، والوزارة التي يفترض أن تحمي مواطنيها، تركتهم لقدرهم، ثم تخرج بتصريحات تقول فيها إن «الأمصال متوفرة في المشافي الوطنية»، أي مشافٍ؟ وأي توقيت هذا الذي سينقذ الحياة؟
لا للترقيع، بل إعادة بناء
الحل ليس بحملات استثنائية لمرة واحدة، ولا وعوداً موسمية. المطلوب خطة جذرية تعيد توزيع الخدمات الصحية بشكل عادل، وتمنح النقاط الطبية في الأرياف صلاحيات وأدوية فعلية، وتؤمن سلسلة تبريد لامركزية والتجهيزات اللازمة.
فعشرات آلاف الدولارات كافية لتجهيز مئات النقاط، لكن يبدو أنها أغلى من أرواح الضحايا! وحتى ذلك الحين، سيبقى سؤال واحد يلاحق وزارة الصحة: كم طفلاً آخر يجب أن يموت قبل أن تصل الأمصال إلى سهل الغاب وباقي الأرياف المنسية؟
المسؤولية مباشرة وواضحة، والتقصير موثق، والتبريرات مكشوفة، فإلى متى يبقى أطفال الريف رهائن الجغرافيا ولعنة الصدفة الرسمية؟
إنها مسؤولية مباشرة لوزارة الصحة، لا يمكن التهرب منها بحجج لوجستية أو مالية.
فالدولة التي تدعي السيادة على كامل أراضيها، مطالبة بأن تكون حاضرة في كل شبر منها، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بحياة أطفالها.