Skip to main content

«مطرة مبكرة» وبنى تحتية تنهار ووعود تتكرر، فماذا بعد؟!

 |   منية سليمان  |  محليات

عاصفة 29 آب كشفت ما تخفيه سنوات الإهمال، فلم تكن مجرد منخفض جوي عابر، بل اختبار فضح هشاشة بنية تحتية لا تقوى على مواجهة زخة مطر واحدة، وكشف مجدداً أن المدن السورية باتت هياكل لا تقوى على مواجهة «مطرة صيفية» لا تتجاوز بضع ساعات!

 ورغم التحذيرات التي أطلقتها وزارة الطوارئ قبل أيام من العاصفة، فإن المشهد على الأرض كان كارثياً؛ طرق مغلقة، منازل غارقة، وشبكات كهرباء منهكة، فأين كانت المحافظات من اتخاذا إجراءات استباقية واحترازية قبل العاصفة؟!
 حسب بيان وزارة الطوارئ، سجل الدفاع المدني 58 استجابة ميدانية موثقة في خمس محافظات، تصدرتها اللاذقية بـ35 استجابة، تلتها إدلب ثم حمص وحماة وحلب.
هذا الرقم، وإن بدا كبيراً، فهو ليس دليلاً على كفاءة، بل فضحٌ لمدى اتساع رقعة الأضرار التي طالت 20 عائلة مع إخلاء 3 عائلات إلى أماكن آمنة.
كما شملت العمليات شفط المياه من 43 منزلاً غمرتها السيول، وفتح 56 طريقاً مغلقاً.
ولم تقتصر الكارثة على الطرق، بل امتدت إلى شريان الحياة في أي مدينة؛ الكهرباء.
ففي محافظة حمص وحدها، خرج أكثر من 20 خط توتر متوسط عن الخدمة، ما أدى إلى انقطاع التيار عن مناطق حيوية مثل تلدو والمخرم وشين وتلكلخ وتدمر، لكن الأرقام الأكثر إيلاماً تكمن فيما لم تسجله التقارير؛ مواطنون فقدوا مأواهم، آخرون تهشّمت مركباتهم تحت وطأة الأشجار المتساقطة، ومزارعون خسروا محاصيلهم وأشجار الزيتون بسبب تساقط البرد. فما بالكم بخسائر لا تُحصى يتحملها مواطن مفقَر لا يملك ثمن إصلاح ما تهدم؟!
 الاعتراف الرسمي الذي جاء على لسان رئيس قسم العمليات الميدانية في وزارة الطوارئ «يوسف عزو» لصحيفة الثورة بتاريخ 31/8/2026، حين فسّر تجمع المياه «بالمشكلات التي تعاني منها شبكات الصرف والبنية التحتية بعد سنوات الحرب وغياب أعمال الصيانة». هذا ليس اعترافاً بظرف «طارئ» بل إقرار بفشل مزمن في إدارة البنى الأساسية.
 ففي دمشق، التي لم تذكرها التقارير هذه المرة كإحدى المحافظات الأكثر تضرراً، تبقى الذاكرة حاضرة بما شهدته في آذار الماضي من سيول جرفت أحياء كاملة، ولم يسلم حي ركن الدين هذه المرة أيضاً من السيول الجارفة!
المشكلة ليست في المطر، بل في غياب رؤية استراتيجية لمعالجة نقاط الضعف المزمنة.
 تبرير الجهات الرسمية بأن الأضرار اقتصرت على الماديات دون إصابات ليس مطَمئناً، بل هو تنصل «فج» من المسؤولية، فغرق منزل عائلة فقيرة يُفقدها مأواها، وانقطاع الكهرباء عن مناطق بأكملها يشل الحياة اليومية، وسقوط شجرة على سيارة قد يكون ثمنها سنوات من الادخار. هذه ليست «أضراراً مادية»، هذه حياة تتهشّم أمام أعين أصحابها.
 نعم، العاصفة كانت مبكرة واستثنائية، لكنها حملت رسالة واضحة: إذا كانت البنية التحتية تنهار تحت وطأة أمطار الصيف، فماذا سيكون حالها عندما يحل الشتاء بغزارة هطولاته المعتادة؟
 لذا المطلوب ليس بيانات تهدئة ولا وعوداً بإصلاحات ترقيعية، بل خطة وطنية شاملة تعيد تأهيل شبكات الصرف الصحي والمطري، وتُصلِح شبكات الكهرباء، وتُعِدّ المدن لمواجهة الفيضانات.
أي أن تتحرك وزارة الإدارة المحلية والمحافظات والبلديات، ليس بعد وقوع الكارثة، بل قبل حلول الشتاء، كما محاسبة المقصرين، وليس الاكتفاء بشكر فرق الطوارئ على جهودها البطولية التي تخفي فشلاً مؤسسياً في التخطيط والتنفيذ.
 فيجب أن تكون هذه العاصفة نقطة تحولٍ جذرية، لا مجرد صفحةٍ في أرشيف الكوارث، فوضع هذا الملف على الطاولة الحكومية وبتخصيص مالي وزمني واضح ليس ترفاً، بل ضرورة ملحة للحفاظ على ما تبقى من كرامة المواطن.
فالدولة مطالبة اليوم، ليس بإصلاح ما تهدم فقط، بل بإعادة بناء العقلية الإدارية التي تتعامل مع الأزمات على أنها «طوارئ» تستدعي الاستنفار، وليس «مشكلة مزمنة» تستدعي التخطيط والعمل الجادّ.
 فإذا كانت الأمطار قادرةً على كشف فشل السياسات، فلتكن أيضاً قادرةً على كشف العزم على التغيير، فما دمنا ندفع ثمن سياسات الترقيع، فلن نخرج من دوامةِ الفشلِ هذه، وسنظلُّ ننتظرُ عاصفةً جديدةً لتكشفَ عوارَنا من جديد.