Skip to main content

مقاعد الجامعات الحكومية... المال يزاحم الاستحقاق

 |  رهف ونوس  |  محليات


لم يعد «التعليم الموازي» في الجامعات الحكومية السورية مجرّد مسار ثانوي للقبول، بل تحوّل إلى بوابة لفرزٍ طبقيّ صارخ، تكشفه أرقامُ رسوم العام الدراسي 2026-2027 التي أقرّتها وزارة التعليم العالي. 

فبين عامٍ وآخر، تضاعفت الرسوم بأرقام فلكية، لتطرح سؤالاً مُلّحاً: هل ما زال التعليم الحكومي حقاً لكل طالب أم مقعداً لمن يستطيع أن يدفع؟!


أرقام تتحدث


 في مرحلة الإجازة، ارتفعت رسوم الكليات الطبية والصيدلة وطب الأسنان إلى 40 ألف ليرة سورية جديدة سنوياً، بزيادة قدرها 33,3% مقارنة بـ30 ألفاً في العام السابق، فيما بلغت رسوم السنة التحضيرية 40 ألفاً، بزيادة 60% عن 25 ألفاً. أما كليات الهندسة والطب البيطري والعلوم الصحية والفنون الجميلة، فقد أصبحت رسومها 30 ألف ليرة سنوياً، بزيادة تراوحت بين 66,7% للهندسات والفنون الجميلة، و114,3% للطب البيطري والعلوم الصحية، مقارنة بالرسوم السابقة البالغة 18 ألفاً و14 ألفاً على التوالي. بينما ارتفعت رسوم باقي الكليات والمعاهد من 10 آلاف إلى 20 ألف ليرة سنوياً، أي بزيادة قدرها 100%.
أما في مرحلة الدراسات العليا، فقد ارتفعت رسوم الماجستير في الكليات الطبية والصيدلة وطب الأسنان من 35 ألفاً إلى 80 ألف ليرة، أي بزيادة 128,6%، بينما ارتفعت رسوم الماجستير في الهندسات والطب البيطري والعلوم الصحية والفنون الجميلة من 35 ألفاً إلى 60 ألف ليرة، بزيادة 71,4%، في حين ارتفعت رسوم باقي الكليات من 20 ألفاً إلى 40 ألف ليرة، أي بنسبة 100%.
وفي مرحلة الدكتوراه، ارتفعت رسوم الكليات الطبية والصيدلة وطب الأسنان من 35 ألفاً إلى 160 ألف ليرة، بزيادة بلغت 357,1%، فيما أصبحت رسوم الدكتوراه في الهندسات والطب البيطري والعلوم الصحية والفنون الجميلة 120 ألف ليرة، مقارنة بـ35 ألفاً سابقاً، أي بزيادة قدرها 242,9%. أما باقي الكليات، فارتفعت رسوم الدكتوراه من 20 ألفاً إلى 80 ألف ليرة، أي بنسبة 300% مقارنة بالعام السابق.
الجدول التالي يوضح حجم الزيادة في رسوم التعليم الموازي مقارنة بالرسوم المعتمدة في العام الدراسي السابق: تعليم خاص مقنّع
عملياً، هذه الزيادات ليست مجرّد «تحصيل رسوم»، بل إعلانٌ صريح عن تحوّل الجامعة الحكومية إلى مؤسسة شبه خاصة، تبيع المقعد الدراسي للمقتدرين، فالتعليم الموازي، تعليم عام مأجور، كان يُفترض أن يبقى في إطار الخدمة العامة لا التجارة، لكنّ عاماً بعد آخر، تتقلّص المقاعد المجانية (افتراضاً) لصالح الموازي، وسط غياب كامل للشفافية في أعداد المقبولين ونسبهم، ما يجعل من «تكافؤ الفرص» شعاراً أجوف.

 


الجامعة للجميع...


في بلدٍ يعيش أكثر من 90% من شعبه تحت خط الفقر، ويصارع فيه الأهالي لتأمين أدنى مقومات العيش، تُلقى على كاهل الطالب المفقر وذويه أعباء خيالية (من الرسوم إلى تكلفة النقل والسكن والمحاضرات وغيرها)، لا لشيء إلا لأنّه وُلد في عائلة مفقرة (الأكثرية الساحقة) لا تملك القدرة على دفع هذه المبالغ، إنّ استمرار هذه السياسة يعني إعدام مبدأ العدالة التعليمية، وتحويل العلم إلى سلعة لا يشتريها سوى القادرين.
المطلوب اليوم، ليس حلولاً «ترقيعية» للرسوم، بل إعادة الاعتبار للتعليم الحكومي المجاني، ووقف هذا النزيف الطبقي الذي يفرّغ مجانية التعليم وتكافؤ الفرص من جوهرها.
التعليم ليس سلعة، والمقعد ليس امتيازًا لمن يدفع، بل حق لكل من يستحق! والمسؤولية تقع على وزارة تُمعن في تغيير طبيعة التعليم العام بدل إصلاحه، بينما الدولة صامتة عن واجبها في تحمّل كلفة تعليم أبنائها.