تعرفة المواصلات تحرق جيوب السوريين
لم يكد قرار رفع أسعار المشتقات النفطية -وبخاصة المازوت الذي قفز بنسبة 40%- يجفّ حبره حتى انقضّت لجنة تعرفة النقل في دمشق لتعلن تعرفة جديدة تشكّل ضربة موجعة للمواطن المفقر ولتؤكد أن المواطن هو من يدفع ثمن كل سياسة، وأن جيوب السوريين هي ساحة المعركة الحقيقية التي تُخاض فيها المعارك الاقتصادية.
ارتفعت تعرفة باصات النقل الداخلي إلى 40 ل.س جديدة، بينما تراوحت تعرفة الميكروباصات (السرافيس) بين 40 و70 ل.س حسب المسار، أما في ريف دمشق، فتصل التعرفة في بعض الخطوط إلى 180 ل.س، وسط تفاوت فوضوي في التطبيق وغياب رقابة حقيقية على السائقين.
وبذلك تتراوح نسب الزيادة بين 30-40% حسب الخط والمسافة، لكن الأرقام المجرّدة تظل عاجزة عن نقل حجم الكارثة، فبالحد الأدنى، أصبحت كلفة المواصلات الشهرية للفرد الذي يستخدم وسيلتي نقل يومياً نحو 5000 ل.س، أي ما يعادل 40% تقريباً من الحد الأدنى للدخل، هذا فقط للتنقل من منزله إلى عمله والعودة، قبل أن يدفع ثمن الخبز والدواء والكهرباء.
وإذا كان ربّ الأسرة ينفق على أبنائه الطلاب، تتضاعف هذه الكلفة بحسب عددهم، لتتحول المواصلات من ضرورة يومية إلى عبء يثقل كاهل الأسر المفقرة.
تصريحات المسؤولين تتحدث عن «إجراءات مؤقتة» «ضرورات إصلاحية»، لكنها في الواقع تكشف عن سياسات تفتقر إلى أي حساسية اجتماعية، وتصرّ على تحميل المواطن أعباء لا طاقة له بها، بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي، فكيف يمكن له تحمل المزيد؟ وكيف يمكن لمن يتقاضى أجراً بالكاد يسد الرمق أن يخصص ما يقارب نصفه للتنقل؟!
إنّ ما يحدث ليس مجرد تعديل في
التعرفة، بل ترجمة صارخة لسياسات تُصرّ على معالجة الأزمة على حساب المفقرين، وعلى تغييب أي حل مستدام يقوم على نقل عام مجاني أو مدعوم، أو على ربط الأجور والأسعار بالحد الأدنى للكلفة المعيشية.
المطلوب، رؤية شاملة لإعادة توزيع الثروة بشكل عادل عبر إجراءات دعم حقيقية، وتطوير البنية التحتية للنقل العام، وربط أي زيادة في التعرفة بما يراعي دخل المواطن وإخضاع كل هذه السياسات لمعايير العدالة الاجتماعية التي يرفعها من يتحملون وزرها كل يوم.
فالنقل حق أساسي لا ترف لمن يملك المال، فهو خدمة أساسية يجب أن تكون متاحة وبتكلفة معقولة تضمن حق المواطن في التنقل بكرامة وأمان.