قبل أن تصل حبة البندورة إلى رفّ متجر، أو توضع حبة التفاح في صندوق أنيق، تمر غالباً بأيدي عمال لا تظهر أسماؤهم على العبوة، ولا يعرف المستهلك شيئاً عن يومهم. عمال الفرز والتنظيف والتوضيب يقفون لساعات أمام المحاصيل، يفرزون الثمار واحدة تلو الأخرى، ينظفونها ويصنفونها ويعبئونها، ثم يحملون الصناديق ويعيدون العملية من جديد.
عمل رتيب في ظاهره، لكنه يستنزف الجسد. الوقوف الطويل، الانحناء المتكرر، الحركة المستمرة وحمل الأوزان، إضافة إلى ظروف الحرارة، أو البرودة في بعض أماكن العمل، تجعل ساعات اليوم أكثر قسوة. ومع تدفق المحصول، يصبح الوقت ضاغطاً، وتصبح سرعة الإنجاز جزءاً أساسياً من العمل.
لكن المشكلة الأعمق، أن هذا العامل لا يملك بالضرورة استقراراً ينتظر أن يعود إليه بعد انتهاء يومه. فالعمل مرتبط بالموسم، والفرصة التي تبدو متاحة اليوم قد تختفي مع تراجع الإنتاج. وبين موسم وآخر، يبقى البحث عن عمل جديد ضرورة لا خياراً.
الأجر بدوره يبقى محدوداً ومتفاوتاً، فيما قد يواجه العامل صعوبة في الحصول على عقد واضح، أو حماية اجتماعية، وتأمينٍ يحميه من تبعات الإصابة أو المرض. ومع وجود الوسطاء في بعض حالات العمل الموسمي، تتعقد العلاقة أكثر، ويصبح العامل أقل قدرة على التفاوض حول أجره وساعات عمله وشروطه.
هؤلاء لا ينتجون الغذاء وحدهم، لكنهم يجعلونه صالحاً للوصول إلى السوق. ومع ذلك، تبقى ظروفهم في الظل، وكأن التعب الذي يسبق وصول المحصول إلى المستهلك لا يدخل في حساب كلفته.
السؤال هنا: ليس من يفرز الخضار والفواكه فقط، بل: من يفرز تعب هؤلاء العمال من حسابات سوق الغذاء؟ ومن يتحمل مسؤولية حمايتهم عندما ينتهي الموسم، أو عندما يطول يوم العمل، أو عندما يصبح الجسد غير قادر على مواصلة العمل؟
في كل صندوق يصل إلى السوق، هناك محصول جرى فرزه وتوضيبه بعناية. وربما آن الأوان لأن يُنظر بالقدر نفسه من الاهتمام إلى اليد التي قامت بذلك.