Skip to main content

3,6 ملايين سيارة... والبلد إلى أين؟

 |  قاسيون  |  محليات

ربما لم يقصد وزير الطاقة أن يفتح ملفاً يتجاوز البنزين والمازوت حين كشف أن عدد السيارات في سورية ارتفع من نحو 2,5 مليون إلى 3,6 ملايين سيارة. كان يتحدث عن شيء مباشر؛ سيارات أكثر تعني وقوداً أكثر، ووقود أكثر يعني طلباً أكبر على الاستيراد والقطع الأجنبي.

لكن بعض الأرقام، حين تخرج من فم مسؤول، لا تعود ملكاً للوزارة التي قالها. تصبح حقاً عاماً في السؤال.
فإذا كانت سورية قد أضافت نحو 1,1 مليون مركبة خلال فترة قصيرة نسبياً، فالسؤال لا يبقى كم لتراً إضافياً تحتاج؟ بل: لماذا احتاجت البلاد إلى كل هذه السيارات؟ ومن دفع ثمنها؟
وزارة النقل قدمت قراءة أخرى للرقم. فعدد المركبات المسجلة، وفق بياناتها، ارتفع من 2,572 مليون في 2024 إلى 3,646 ملايين في 2026. والنتيجة التي رصدتها الوزارة كانت ضغطاً متزايداً على مديرياتها ومعاملاتها. وفي دمشق وحدها، تحدثت المديرية عن دخول نحو 400 ألف سيارة إلى البلاد خلال 2025، وعن حجم هائل من المعاملات التي اضطرت إلى إنجازها.
لكن المواطن لا يراجع مديرية النقل كل صباح. المواطن يخرج إلى الشارع.
هناك يرى وجهاً ثالثاً للرقم: ازدحاماً، وأرصفة تحولت إلى مواقف، وطرقاً لم تعد تحتمل هذا الكم من المركبات، ومنافسة يومية على بضعة أمتار من المجال العام. ويرى، في الجانب الأكثر قسوة، حوادث مرورية وضحايا وكلفة اجتماعية لا تظهر في جداول تسجيل السيارات.
ثم تأتي الفاتورة التي لا تُرى بسهولة: القطع الأجنبي.
وزارة الاقتصاد نفسها قالت عند وقف استيراد السيارات المستعملة إن التدفق الكبير للسيارات أصبح عبئاً على الاقتصاد والبنية التحتية، وإن ضبط فاتورة الاستيراد والحفاظ على احتياطي القطع الأجنبي كانا من أسباب القرار.
هنا يصبح رقم الـ3,6 ملايين أكثر إثارة للقلق من كونه خبراً عن ازدياد السيارات.
كم من القطع الأجنبي خرج لتمويل هذا الاستيراد؟ وما الذي كان يمكن أن يذهب إليه بدلاً منها؟ وهل كان الاقتصاد السوري بحاجة إلى هذا الكم من السيارات الخاصة، أم إلى إنتاج واستثمار ونقل عام وبنية تحتية تخفف الحاجة إليها أصلاً؟
المشكلة ليست في السيارة بحد ذاتها. المشكلة في اقتصاد يستورد المزيد من السيارات بينما يطلب من المواطن أن يتحمل كلفة نقص الوقود، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، والازدحام، وتآكل المجال العام.
فوزير الطاقة أعطانا الرقم من بوابة الوقود. ووزارة النقل قرأته من بوابة المعاملات. أما المواطن، فلديه بوابة ثالثة أكثر قسوة: الشارع والجيب والحياة اليومية.
ومن هذه البوابة تحديداً ينبغي أن يبدأ السؤال الحقيقي: ليس كم سيارة أصبحت لدينا، بل ماذا كلّفتنا؟