ليس ملف الاستملاك في سورية مجرد إرث عقاري من زمن مضى، ولا مجرد خلاف على تعويضات لم تُدفع أو لم تعد تساوي شيئاً بعد عقود من صدورها. جوهر القضية أكثر خطورة؛ كيف يمكن تبرير نزع ملكية المواطن استثنائياً باسم المنفعة العامة، ثم إبقاء هذا النزع قائماً لعشرات السنين، وصولاً إلى استخدام الأرض لاحقاً في مشاريع استثمارية لمصلحة شركات ومستثمرين؟
الاستملاك، في الأصل، استثناء على حق الملكية الخاصة، ولا تبرره إلا منفعة عامة حقيقية ومحددة، وفي إطار القانون والضمانات والتعويض العادل. ولذلك فإن مشروعية الاستملاك لا ينبغي أن تُقاس باللحظة التي صدر فيها القرار فقط، وإنما أيضاً بما جرى بعد ذلك.
هل نُفذ المشروع الذي استُملكت الأرض من أجله؟
هل بقيت الحاجة العامة قائمة؟
هل استُكملت إجراءات نقل الملكية والتعويض؟
وهل بقي استعمال العقار منسجماً مع الغاية التي بررت نزع ملكيته؟
هذه الأسئلة تكتسب اليوم أهمية استثنائية، لأن جزءاً مهماً من الاستملاكات التي تعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لم يتحول، بحسب أصحاب الحقوق، إلى مشاريع النفع العام التي قامت عليها، فيما بقيت أراضٍ وعقارات مجمدة أو محل نزاع لعقود.
والأشد استفزازاً أن بعض هذه الأراضي لم تعد تنتظر مشروعاً عاماً أصلاً، بل بدأت تدخل في مشاريع استثمارية وسياحية وعقارية خاصة.
هنا تحديداً يسقط الكثير من الغموض، ويظهر السؤال الذي لا يمكن التهرب منه: إذا كانت المنفعة العامة هي سبب نزع الملكية، فما الذي يبقي الاستملاك مشروعاً عندما تختفي تلك المنفعة ويحل محلها الاستثمار الخاص؟
هذا هو التناقض الذي يثير غضب أصحاب الحقوق اليوم.
فبينما ينتظر مالكو الأراضي المستملكة منذ عقود فتح ملفاتهم وإعادة النظر في أوضاعهم، تتحرك مشاريع جديدة فوق بعض الأراضي محل النزاع.
ففي 28 آب الماضي، خرج مالكون وفلاحون من البجاع والصبورة وقدسيا وريف دمشق أمام مجلس الشعب مطالبين بإلغاء أو مراجعة قرارات الاستملاك وإعادة الأراضي إلى أصحابها، فيما تحدث محتجون عن استخدام الاستملاك لخدمة مشاريع ومصالح خاصة.
وفي 8 أيلول، اجتمع ممثلون عن أصحاب الأراضي المستملكة في قدسيا والبجاع ومناطق أخرى من ريف دمشق مع أعضاء في مجلس الشعب، مطالبين بإلغاء مراسيم الاستملاك وإعادة أراضيهم.
ثم جاء التصعيد من دمر، حيث طالب الأهالي في 23 أيلول بوقف البناء على الأراضي المستملكة إلى حين توضيح وضع الملكية، وبوقف توزيع العقارات المستملكة، ورفع الاستملاك عن العقارات في المنطقة وإعادتها إلى أصحابها. كما طالبوا بتوضيح ملكية العقارات التي يفترض أن تقام عليها مشاريع، بينها مشروع «شام فيو».
هذه التحركات تقول شيئاً واضحاً: أصحاب الحقوق لم يعودوا مستعدين لقبول فكرة أن الزمن وحده كفيل بإسقاط حقوقهم.
المشكلة هنا ليست في الاستثمار بحد ذاته. سورية تحتاج إلى الاستثمار، وإلى إعادة إعمار اقتصادها ومدنها. لكن الاستثمار لا يمكن أن يكون جواباً عن سؤال الملكية.
فإذا كان هناك مالك يقول إن أرضه انتُزعت منه منذ عقود ولم تُحسم حقوقه، فإن وضع مشروع استثماري فوقها لا يغلق الملف؛ بل يجعله أكثر تعقيداً.
بل إن دخول المستثمر قبل حسم النزاع يخلق انطباعاً شديد القسوة لدى صاحب الحق؛ الدولة لم تجد الوقت لحسم ملكيتي، لكنها وجدت الوقت للبحث عن مستثمر لأرضي.
قد يُقال إن بعض هذه الأراضي أصبحت ملكاً للدولة بموجب مراسيم وقرارات قديمة، وإن للدولة حق التصرف بأملاكها وفق القانون.
لكن هذا الجواب يتجاهل أصل النزاع. فأصحاب الحقوق لا يطعنون في استعمال الأرض الحالي فقط، إنهم يطالبون بمراجعة الأساس الذي قامت عليه عملية نزع الملكية نفسها، ومدى استكمال إجراءاتها، وتنفيذ الغرض الذي صدرت من أجله، والتعويض المترتب عليها.
لا يمكن بناء دولة قانون على قاعدة تقول للمواطن: انتظر حتى ننتهي من مراجعة حقك، بينما تُفتح في الوقت نفسه أبواب المشاريع فوق الأرض التي تطالب بها.
ولا يمكن أن تكون معالجة إرث الماضي باستبدال مظلمة قديمة بممارسة جديدة تزيدها استفزازاً.
لقد تحرك أصحاب الحقوق، ووصل صوتهم إلى مجلس الشعب، وتوسعت الاحتجاجات من البجاع وقدسيا والصبورة إلى كيوان ودمر ومناطق أخرى.
وما يحتاجونه الآن ليس المزيد من الوعود ولا لجاناً تحفظ الملفات في الأدراج، بل يحتاجون إلى قرار سياسي وقانوني واضح بفتح الملف، وإلى إجابة قانونية صريحة عن سؤال واحد: هل ما زالت هناك منفعة عامة تبرر حرمانهم من ملكياتهم؟
فالملكية لا تسقط بالتقادم السياسي، والمنفعة العامة ليست ستاراً أبدياً، والاستثمار لا ينبغي أن يكون الطريق الذي يُدفن فيه حق المالك الأصلي.
وإذا كانت سورية الجديدة تريد فعلاً أن تطوي صفحة الاستبداد والتمييز في تطبيق القانون، فإن ملف الاستملاك سيكون واحداً من أكثر الاختبارات وضوحاً، هل تعاد الأرض إلى أصحابها حين يسقط مبرر نزعها، أم يُعاد إنتاج المشكلة نفسها بوجوه وعقود استثمارية جديدة؟