Skip to main content

الاستملاكات في ريف دمشق... حسم الحقوق أولاً

 |  قاسيون  |  محليات

جاءت الجلسة الحوارية التي عقدت في الأول من تشرين الأول مع أهالي ريف دمشق، بحضور محافظ ريف دمشق والمدير العام للمؤسسة العامة للإسكان، بعد سلسلة من الاعتراضات والاعتصامات والاحتجاجات التي قام بها أصحاب أراضٍ مستملكة في قدسيا والهامة والبجاع ومناطق أخرى، اعتراضاً على استمرار الإجراءات المتعلقة بأراضيهم قبل حسم حقوقهم. ولذلك فإن هذه الجلسة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن حالة الغضب المتصاعدة، ولا عن البيان التوضيحي الذي سبقها، والذي جاء في خضم هذا الحراك الشعبي.

البيان أكد أن الاستملاك إجراء قانوني مرتبط بالمنفعة العامة، وأن الحقوق تثبت بالوثائق والسجلات، وأن لكل حالة خصوصيتها. لكن هذه العبارات، رغم صحتها من حيث المبدأ، لا تجيب عن السؤال الأهم الذي يطرحه أصحاب الحقوق: متى ستُحسم ملفاتنا؟
فالمشكلة ليست أن المواطنين لا يملكون وثائق، وليست أن الدولة لم تسمع بشكاواهم. محافظة ريف دمشق فتحت في عام 2025 باب تقديم الطلبات والثبوتيات، واستلمت بالفعل ملفات أصحاب الحقوق، وشُكلت لجان لمتابعة واقع الاستملاكات وجرد العقارات. وفي كانون الثاني 2026 كان الحديث لا يزال عن تنظيم الطلبات وإعداد الجداول ومراسلة الجهات العامة المعنية.
وهنا يبرز السؤال المشروع، بل الملحّ: لماذا يُطلب من المواطنين اليوم تقديم الوثائق مجدداً؟ ماذا جرى بالملفات التي جُمعت في 2025؟ أين نتائج اللجنة؟ وكم ملفاً حُسم؟ وكم حقاً أعيد إلى أصحابه؟
لا يجوز أن يتحول المواطن إلى طرف مطالب بإعادة إثبات حقه في كل مرة تتغير فيها اللجنة أو الآلية الإدارية، بينما تبقى الملفات نفسها معلقة لسنوات.
الأكثر خطورة أن هذا التأخير يجري بالتزامن مع مشاريع عمرانية واستثمارية جديدة على بعض الأراضي موضع المطالبات. وقد شهد أيلول احتجاجات من أصحاب حقوق طالبوا بعدم التصرف بأراضيهم قبل حسم وضعها القانوني، في وقت تتقدم فيه مشاريع مثل «أبيات هيلز» و«شام فيو».

وهنا يجب أن يكون الموقف واضحاً بلا مواربة: لا يجوز المضي بأي إجراء جديد على أرض توجد بشأنها مطالبة جدية لم تُحسم، سواء إدارياً أو قضائياً.
لا يجوز البدء بالتنفيذ، أو نقل الحيازة، أو ترتيب حقوق جديدة، أو إقامة منشآت ومشاريع، ثم مطالبة صاحب الأرض بالانتظار إلى أن تنتهي اللجان من دراسة ملفه. لأن تحويل الأرض إلى واقع استثماري جديد قبل حسم النزاع قد يجعل أي قرار لاحق أكثر تعقيداً، ويضع المواطن أمام أمر واقع لا علاقة له بمدة انتظار الدولة في معالجة ملفه.
والمطلوب هنا ليس تعطيل الاستثمار أو التنمية، بل حماية الاستثمار نفسه من الدخول في نزاعات حقوقية مفتوحة. الدولة مطالبة أولاً بحسم وضع الأرض، ثم فتح الطريق أمام المشروع، لا العكس.
أما تشكيل مكتب مشترك بين الوزارة والمحافظة، فهو خطوة لا قيمة عملية لها إذا اقتصر دوره على استلام مزيد من الأوراق وإعادة تدوير الملفات. المطلوب مكتب يملك صلاحية المتابعة والحسم ضمن مدد زمنية محددة، ويمنح كل صاحب مطالبة رقم ملف واضحاً، ويبلغه بمصير طلبه، وينشر للرأي العام نتائج عمله بصورة شفافة.
كما أن المطلوب نشر نتائج المرحلة السابقة. فقبل أن يُطلب من المواطن تقديم وثيقته للمرة الثانية، من حقه أن يعرف ماذا فعلت الإدارة بالوثيقة التي قدمها في المرة الأولى.
والملف لا يتعلق بإثبات الملكية فقط. هناك أسئلة جوهرية يجب الإجابة عنها في كل حالة؛ هل نُفذ الاستملاك؟ هل نُفذ المشروع الذي صدر من أجله؟ هل دُفع التعويض؟ هل ما زالت الغاية الأصلية قائمة؟ وإذا كانت الأرض اليوم جزءاً من مشروع جديد، فما هو الأساس القانوني لاستمرار الاستملاك؟ وماذا عن الاستملاكات القديمة التي مضى عليها عقود وتغيرت خلالها قيمة الأرض بصورة جذرية؟
إن القول بأن الاستملاك «قانوني» لا يجب أن يصبح إجابة جاهزة تغلق باب الأسئلة. القانون لا يعني تجميد حقوق الناس إلى الأبد، ولا يمنح الإدارة رخصة لتأجيل الحسم بلا سقف زمني.

لذلك فإن الخطوة الأكثر إلحاحاً الآن ليست عقد جلسة أخرى، ولا جمع دفعة جديدة من الوثائق، وإنما إصدار قرار واضح: وقف جميع الإجراءات والتصرفات والمشاريع على الأراضي التي توجد بشأنها ملفات وادعاءات حقوقية جدية، إلى حين حسم كل ملف بصورة نهائية، إدارياً أو قضائياً.
بعدها فقط يمكن الحديث عن استثمار وتنمية ومشاريع سكنية.
أما إبقاء المواطن في دائرة: قدم طلباً، أحضر وثيقة، انتظر لجنة، ثم أعد تقديم الوثيقة، بينما تتقدم الإجراءات على الأرض، فليس حلاً لملف الاستملاك، بل إطالة له.
أصحاب الحقوق لا يحتاجون إلى جمع جديد للوثائق بقدر ما يحتاجون إلى نتائج. وما ينتظرونه الآن ليس وعداً بدراسة ملفاتهم، وإنما قرار يحسمها ويحمي أراضيهم إلى أن يصدر ذلك القرار.