في ريف دمشق، لم يعد الصناعي محمد عيطة ينتج الخيوط؛ تدفُّق الغزل المصري بأسعار رخيصة أجبره على البيع بخسارة، ثم إيقاف المصنع وتسريح 110 عمال. وما آل إليه معمله ليس استثناء، وإنما نتيجة مباشرة لفتح السوق أمام المستوردات قبل معالجة كلفة الإنتاج.
على الجانب الآخر، يرى معاون وزير الاقتصاد محمد حورية، أن على الصناعي اعتياد المنافسة، وأن «العقلية السورية» اعتادت السوق المغلقة وافتراض أن أي منتج سيُباع.
وإذا ما تجاوزنا ما يحمله هذا الرد من استخاف، فإنه بأقل تقدير مجحف؛ فكيف يُطلب من الصناعي المنافسة في بيئة غير عادلة أصلاً، بينما البنية التحتية للطاقة والتمويل منهارة، وهو ما اعترف به حورية نفسه!
وتكشف تصريحات حورية عن «رؤية» أوسع لخروج الدولة من دور المنتج؛ وأفاد بتوقيع عقود مع مستثمرين من القطاع الخاص لإعادة بناء وتشغيل أكثر من 100 مصنع كانت تديرها الدولة.
إلا أن هذه الخصخصة غير المنظمة، التي يغيب عنها تفاصيل شفافة وعلنية حول طبيعة عمل هذه المصانع، ومصير العمال، وعوائد الدولة، تؤدي إلى تبديد أصول الدولة، وربما تحويل المصانع إلى مشاريع سياحية أو عقارية، بدلاً من الحفاظ على نشاطها الإنتاجي.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات المسؤولين غير واقعية، لأن «المنافسة» التي يُطلب من الصناعي خوضها، هي منافسة محسومة سلفاً لصالح المستورد، ولا يمكن اختزالها في «عقلية متخلفة»؛ فالأزمة ناتجة عن تفكيك متعمد للبنية التحتية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وسياسات اقتصادية مدمرة ولا تراعي شروط المنافسة، وخلل في هيكل التعريفات الجمركية يحمي المستورد على حساب المنتج المحلي.
هذا الهوس بالمنافسة، مع انسحاب الدولة ورفع الدعم، لا يصنع صناعة، بل يكرس تحويل سورية إلى سوق استهلاكية بالكامل. وحين يُطلب من المنتج المحلي أن ينافس وحده، وهو محاصر بالكلفة والجمارك والتمويل، فإن ما ينتهي ليس «العقلية» القديمة، بل الإنتاج نفسه.