Skip to main content

القمح... تسعير بالليرة وديون بالدولار؛ وخسائر لا يقدّرها أحد

 |  سارة جمال  |  محليات

يواجه مزارعو القمح معادلة اقتصادية قاسية تهدد بشيء أثمن من محصولهم؛ وهو استمرارهم في زراعة أرضهم.

فبينما تُحتسب مستحقاتهم بالليرة، تبقى مستلزمات الإنتاج من بذور وأسمدة ووقود، فضلاً عن الديون المتراكمة، مسعّرة بالدولار. هذه الفجوة بين عملة البيع وعملة التكلفة تحوّل كل تذبذب في سعر الصرف إلى خسارة مباشرة يتحملها المزارع وحده.
وقد تجسدت الخسارة هذا الموسم بشكل ملموس رغم غزارة الإنتاج؛ فقد تراجعت القيمة الفعلية للمستحقات بنسبة تقارب 7% - أي خسارة صافية على كل طن قمح وكل فاتورة مستحقة – بعد ارتفاع سعر الصرف من نحو 130 إلى 140 ليرة، وقد طالب المزارعون منذ مطلع الموسم بمعالجة هذا الخلل عبر ثلاثة خيارات بسيطة؛ احتساب قيمة القمح بما يعادل الدولار، أو تثبيت سعر الصرف في يوم التسليم، أو تعويضهم عن فروقات الصرف حتى تاريخ القبض. وبالطبع، وكما جرت العادة، لم تلقَ هذه المطالب أي استجابة.
والمفارقة تكمن في توقيت الدفع؛ فالمزارع يسلم محصوله بسعر ليرة محدد سلفاً، ثم ينتظر أشهراً طويلة ليقبض مستحقاته، وخلال هذه المدة تتقلص قيمة العملة، في حين تظل ديونه ثابتة بالدولار، ما يسفر عن خسارة تلتهم هامش الربح بالكامل، وتجعل المزارع عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته المالية. ويبدو أن هذه الآثار الاقتصادية والاجتماعية لم تخضع لأي دراسة أو تقييم علني، ولم تقدَّر الخسائر المحتملة على المزارعين والأمن الغذائي، الأمر الذي فاقم من حدّة الاستياء الواسع في المناطق التي يشكل القمح فيها مصدر الرزق الرئيسي.
ويلي هذا كله أزمة التأخر في صرف المستحقات، التي ضاعفت الضغط على مزارعين ينتظرون أموالهم لسداد ديون عاجلة لا تحتمل التأخير، عدا عن التجهيز للموسم القادم، الذي يحتاج إلى الدولار طبعاً!
إن اجتماع التجاهل الرسمي لارتفاع سعر الصرف مع تأخر الدفع يجعل من الموسم الزراعي رهاناً محفوفاً بالمخاطر، لا استثماراً في الأمن الغذائي، وينذر بما هو أخطر في الموسم المقبل؛ بدءاً من العزوف عن زراعة القمح، ومروراً بتراجع الإنتاج، وليس انتهاءً بانهيار إضافي في القطاع الزراعي، ستطال آثاره سورية كلها.
وعوض مكافآت عابرة أو استجابة متأخرة لا تسمن ولا تغني من جوع، يرى المزارعون أن الحل يكمن بربط قيمة المستحقات بسعر الصرف بطريقة عادلة ومعلنة.